كانت "سنة الأحلام الخطيرة" عنوان كتاب المفكر سلافوي جيجيك وتوصيفه لعام 2011، وهو يعاين الثورات التي اندلعت في بقاع متعددة من العالم، وبشكل رئيس "الربيع العربي" و"احتلوا وول ستريت"، لكن وقبل الوصول إلى تلك الحركات التي يقاربها، فإنه أولاً سيمضي في معاينة المتغير والمتبدل في الرأسمالية المعاصرة، وفي سياق ماركسي، يرصد من خلاله علاقات الانتاج حسب ماركس، معتبرا أن المتسيد حالياً هو "العمل غير المادي" مقابل "الانتاج الصناعي الضخم عند ماركس في رأسمالية القرن التاسع عشر"، فالعمل غير المادي ينقسم إلى "العمل العقلي الرمزي" أي الأفكار والنصوص والبرامج، أم القسم الثاني فهو "العمل الانفعالي"  أي الأطباء ومضيفات الطيران وجليسات الأطفال، ومعتمداً أيضاً رصد انفصال الرأسمالية عن البرجوازية، وتسيد "البرجوازية المستأجرة" مصطلح جان كلو ميلز الخاص بالمدراء التنفيذيين وأصحاب المناصب الكبرى في الشركات متعددة الجنسيات.

هذه مقدمة ضروية لها أن ترصد ما هو عليه العالم، والولايات المتحدة التي يعتبرها "مفترس غير منتج عليها أن تمص تدفقاً يومياً مكوناً من مليار دولار لتدفع لأجل استهلاكها". طبعاً ووفق أسلوب جيجك فإن الكتاب سيكون مليئاً بالاقتباسات ليس بلكان ودولوز، بل بأفلام ومسلسلات وقصائد له أن يجد لها سياقاً يخدم الأفكار التي يقدم لها، سواء التمثيل السياسي وإرهاصاته من خلال استعادته كتاب ماركس "الثامن عشر من برومير"، أو الديمقراطية أو  الحرية أو بالتأكيد الفقر والمعطيات الاقتصادية.

لكن وباختزالية لابد منها ونحن نسلط الضوء على الكتاب فإن جيجك مشغول بأمرين أساسيين يمكن لكل الكتاب أن يتأسس عليها ألا وهما الكيفية التي ستترجم فيها اللحظة التحررية إلى نظام اجتماعي جديد؟ وفي سياق متصل ما هي خصائص من خرجوا إلى الشوارع في الولايات المتحدة واليونان وإسبانيا وصولاً إلى العالم العربي؟

فاللحظة التحريرية سابقة الذكر لم تترجم إلى نظام اجتماعي جديد، وهي لم تمتلك هذه القابلية كما سيسعى جيجك تحليله طيلة الكتاب، كأن يبقى السؤال ماذا لو حصلنا على الديمقراطية وبقي الفقر- ماذا بعد؟ ولتوضيح ذلك وما حدث في "صحراء مابعد الايدلوجيا" حسب تعبيره أقتبس التالي "على الرغم من أن اضطرابات المملكة المتحدة في أغسطس 2011 اشتعلت بسبب الموت المريب لمارك دوجان، فقد كان المقبول عامة أنها عبّرت عن قلقٍ أعمق، ولكن من أي نوع؟ بشكل مشابه للاضطرابات في ضواحي باريس عام 2005، فالمتظاهرون في المملكة المتحدة لم يكن لديهم رسالة ليقدموها. التفاوت بين تظاهرات الطلاب الضخمة في نوفمبر 2010 التي تحولت أيضاً  إلى العنف أمر واضح، لقد كان لدى الطلاب رسالة – رفض إصلاحات الحكومة للتعليم العالي. هذا هو سبب صعوبة تحميل اضطرابات 2011 بمصطلحات ماركسية، كمؤشر لبزوغ ذات ثورية، الأكثر ملاءمة هنا هو الفكرة الهيجلية عن الرعاع والتي تشير إلى هؤلاء الخارجين عن الفضاء الاجتماعي المنظم، الممنوعين من المشاركة في الإنتاج الاجتماعي، والقادرين على التعبير عن حنقهم فقط في شكل الاضطرابات اللاعقلانية للعنف الهدّام أو ما يطلق عليه هيجل السلبية المجردة".

أمام الخصائص فليس لجيجك أن يعيدها إلى الفقر أو نقص الآفاق أو انحلال الأسرة والروابط الاجتماعية بل إنه يستعين بقصيدة بودلير الشهيرة "الغريب" معتبراً أن هذه القصيدة هي بورتريه لمدمن الانترنت "وحيداً أمام الشاشة، ليس لديه أب أو أم ولا وطن ولا إله – كل ما يحتاجه هو غيمة رقمية متصل بها جهاز الانترنت الخاص به"، طالما أن الغريب في القصيدة لا يجد إلا "الغيوم الغيوم التي تمر".

بالانتقال إلى "الربيع العربي" فإنه سيبدأ من طبق خزفي في متحف الفن الاسلامي في الدوحة، وصولاً إلى استعراضه للراديكالية الثورية التي يحتكم عليها الإسلام مستعرضاً تاريخ القرامطة وثورة الزنج، ولعله يرصد أمراً هاماً بعد أن يستفيض بالنسبية لإيران وصدام مناصري موسوي مع النظام ونجادي، فإنه يرى أن "الانتفاضات الشعبية في الدول العربية، وكما هو واضح ..تنتهي دائماً بانتصار الاسلام المسلّح، وبالتالي سيظهر مبارك في أثر رجعي على أنه الأقل شراً، والرسالة ستكون واضحة – من الأفضل الإبقاء على الشيطان الذي تعرفه أكثر من أن تلعب مع التحررية"، أما سورية فيصف وضعها بالغموض قائلاً "على الرغم من أن نظام الأسد لا يستحق التعاطف، فإن أوراق الاعتماد السياسية – الأيدولوجية لمعارضيه بعيدة الوضوح".

  في الفصل المخصص لـ "الربيع العربي" يستعيد جيجك فالتر بنيامين وهو يقول إن "كل صعود للفاشية يشهد على ثورة فاشلة"، ويجد أن صعود الفاشية الإسلامية مرتبط باختفاء اليسار العلماني مؤكداً أن هناك "ثورية كامنة" لم يكن اليسار قادراً على تحريكها، بيما يتركنا  بالنسبة لـ "احتلوا وول ستريت" مع ما قاله بيل كليبتون عنها "إنهم يحتاجون أن يطلبوا شيئاً محدداً، ولا يكونون ضد شيء، إن كنت فحسب ضد شيء ما، فشخص آخر سيملأ الفراغ الذي صنعته".

في خاتمة الكتاب يصف جيجك 2011 سنة الأحلام الخطيرة بأنها سنة إحياء السياسات التحررية في كل أنحاء العالم، والآن وبعد مرور عام، فإن كل يوم يحمل لنا دليلاً جديدا على مدى هشاشة اليقظة وكونها غير ملائمة إلى جانب إشارات الانهاك التي بدأت في الظهور، وهنا سيدخل جيجك في عملية تطويع عجيبة للميتافزيقي في الواقعي، ولئلا يكون رهينة لليأس سيحدثنا عن ضرورة الإيمان باشارات المستقبل، وصولاً إلى المعجزة حسب باسكال "عقيدة بدون معجزات تكون عقيمة وعاجزة، معجزات بدون عقيدة تكون عمياء وبلا معنى".

وأختم كما يختم جيجك بهذا المقطع الذي يبشرنا بنوع من الشيوعية المحتجبة "أزمنة الشيوعية المكتشفة انتهت: لم نعد نستطيع أن نلاحظ أو نتصرف كأن الحقيقة الشيوعية مطروحة ببساطة لأي أحد كي يراها، وسهلة الادراك للتحليل العقلي التاريخي المحايد، ليس هناك آخر كبير شيوعي، ولا ضرورة تاريخية عليا أو غائية لتشرّع وتقود تصرفاتنا. في مثل هذا الموقف فمتحررو اليوم (المتشككون التاريخيون ما بعد الحداثيين) يتنامون، والطريقة الوحيدة لمواجهتهم- للتأكيد على بُعد الحدث (الحقيقة الخالدة) في عصر الاحتمال – أن نمارس نوعاً من الشيوعية المحتجبة. ما يعرّف شيوعية اليوم هي العقيدة النظرية التي تمكنها من تمييز النسخة المعاصرة من المعجزة – قل حدث غير متوقع مثل الثورة في ميدان التحرير – وطبيعتها الشيوعية، أن تقرأها كإشارة من المستقبل الشيوعي...فهذا المستقبل ليس موضوعياً، وسيتحقق من خلال انغماس ذاتي يدعمه".

 

عنوان الكتاب: سنة الأحلام الخطيرة

المؤلف: سلافوي جيجيك

المترجم: أمير زكي

دار النشر: التنوير – بيروت 2013

 

عدد الصفحات: 228 صفحة – قطع متوسط

كاتب من سورية. مؤسس مجلة أوكسجين ومحررها. صدر له: "كلاب المناطق المحررة" (رواية، منشورات المتوسط 2017)، و"الوقائع العجيبة لصاحب الاسم المنقوص" (مجموعة قصصية، منشورات المتوسط 2016)، "محترقاً في الماء غارقاً في اللهب – قصائد تشارلز بوكوفسكي" (ترجمة، منشورات المتوسط 2016)،...

معلومات الكتاب

مقالات أخرى للكاتب