العدد 145 | 28 كانون2 2014

 الحديث هنا سيكون عن أول تجربة روائية طويلة للمخرجة التونسية كوثر بن هنية من خلال فيلمها المميز "شلاط تونس"، هي التي سبق وأن قدمت وثائقياً طويلاً بعنوان "الأئمة يذهبون إلى المدرسة" 2010، عُرض في الدورة السابعة من مهرجان دبي السينمائي الدولي. لكن مهلاً! هل فيلم "شلاط تونس" روائي؟ والاجابة بـ "نعم" ليس لأنه فقط كان من ضمن أفلام مسابقة المهر العربي للأفلام الروائية الطويلة في الدورة العاشرة من دبي السينمائي، بل لأنه فيلم روائي ممتزج بالوثائقي، وللدقة فإنه بنيته الرئيسة وثائقية، حتى حين يكون روائياً فإنه سرده يجري أيضاً في أسلوبية وثائقية، وصولاً إلى مخرجته كوثر بن هنية التي رفضت تصنيفه بالروائي أو الوثائقي حين سئلت من قبل جمهور دبي السينمائي بعد عرضه العالمي الأول.

علي القول أولاً، إنه الفيلم الاكتشاف في الدورة العاشرة، وهناك أسباب كثيرة لتبني هكذا توصيف، إذا إنه فيلم يتناغم فيه الشكل مع المحتوى، الأمر الذي على أي عمل فني أن يتحلى به، لكن يمكن إضافة أن فيلم بن هنية مشغول تماماً بالأسلوبية، وبكلمات أخرى إنه مأخوذ بكيفية سرد موضوعه، والبحث عن ما يضعنا أمام جرعات كبيرة من الحقائق، ورصد وتوثيق اجتماعيين لهما أن يضعا المشاهد أمام ماهية المرأة التونسية في مجتمع ذكوري، والمقاربة الذكورية لها، صورتها في ذهنه وما ينشغل به هذا المجتمع بخصوص العذرية التي لن تكون إلا معاينة مباشرة للنفاق الاجتماعي، وللازدواجية وتلك المعايير التي لم تنجح المجتمعات العربية والشرقية في التخلص منها.

إن إيراد بعضاً مما يتمحور حوله الفيلم، لن يكون بشيء مقارنة بكيف جاءت هذه الأفكار والمقاربات في الفيلم، فما من جديد في أن يقارب فيلم المرأة في مجتمع ذكوري، والجديد الأقرب للأصيل هو كيف قدّمت بن هنية ذلك، وكيف تعاملت مع قصة الشلاط وأخذتها بعيداً وعميقاً كأداة درامية لتشريح اجتماعي وسياسي، بحيث جاء الفيلم بمنتهى الظرافة والفكاهة، حيث لاشيء أجدى من التندر على ما هو مأساوي إلى حد الفداحة.

منطلق الفيلم الرئيس هو الشلاط أو البحث عن هذا الشلاط الذي يتجول في شوارع تونس حاملاً شفرة يضرب فيها أرداف أجمل النساء. ضعوا هذه المعلومة في أذهانكم وليبدأ الفيلم مع المخرجة نفسها وهي تقوم بالبحث عن هذه الشخصية التي تكون قد استحالت إلى أسطورة بشكل أو آخر، وفي هذا السياق لن يكون البحث فقط عن هذه الشخصية ما يمضي خلفه الفيلم، بما يضعنا حيال ضحايا الشلاط من جهة، وكيف أن هذا الشلاط ليس شخصية بل مفهوم من جهة أخرى، أي أنه فكرة راسخة يقارب من خلالها الرجل المرأة، فهناك "شلاطات"، لا بل إن المقاربة الذكورية التي يظهرها الفيلم ستكون "شلاطية" بامتياز، تقارب جمال المرأة بهلع، بوصفه مصدراً للشرور.

هكذا بدأ الفيلم، لكن ومع عثور الفيلم على من يقول إنه الشلاط، مع أن البحث كان منصباً على البحث عن ممثل يؤدي دور الشلاط، وهكذا سينتقل الفيلم إلى المستوى الروائي الموارب أيضاً، إذ تبقى مقاربة الشلاط على شيء من التوثيق لحياته، شخصيته وسلوكياته، وصولاً إلى علاقته مع امرأة ينوي الزواج منها، وفي هذه الأثناء سيدخل على مسار الفيلم الاختراع الصيني المتعلق برتق البكارة بسهولة ويسر، ومقابله عبقرية "الجهاز التونسي" الذي يتخطاه بأن يكتشف العذراء الحقيقة من المزيفة من خلال معاينة البراز،  هذا مثال على الفكاهة المتعلقة بما يتمحور حوله العقل الذكوري، لكن تبقى الدلالات دامغة، كما أن عملية تعرية الحقائق والبنى التي يتأسس عليها هذا العقل، من دون أن ننسى أننا نتحدث عن تونس البلد العربي الريادي إن تعلق الأمر بحقوق المرأة وحريتها، أيضاً ما الذي تغيير من عام 2003 وإلى وقتنا هذا، فيلم كوثر بن هنية وهذا الشلاط يضيء عليه ويقول ربما "لاشيء تغيير"! 

كاتب من سورية. مؤسس مجلة أوكسجين ومحررها. صدر له: " سيرة بطل الأبطال بحيرة الانكشاري ومآثر أسياده العظام (1984 هـ)" (رواية، منشورات المتوسط 2019)، و"كلاب المناطق المحررة" (رواية، منشورات المتوسط 2017)، و"الوقائع العجيبة لصاحب الاسم المنقوص" (مجموعة قصصية، منشورات المتوس...

مقالات أخرى للكاتب