ويسألونك أيضاً | زياد عبدالله

العدد 159 | 6 تشرين1 2014

كل ما يدور حولك يستدعي الشرود، وعلى الواجهة الزجاجية المترامية أمامك نخلتان وغربان كثيرة تتخبط بالسعف، ومع الشرود يبدو ما أمامك أخضر لكنه ليس بفاقع الخضرة أبداً، وكائنات سوداء متحركة في فضائه، بينما الضجيج يأتي من حولك لأناس مأخوذين بالاحصاءات والأرقام، مترعين بالفشل الذي يسمى عملاً ناجحاً.

إنها رفاهية الشرود، والغربان لا تستدعي تشاؤماً، بل طيور أخرى تقع على أشكالها، وتصور لنا أشكالاً لا شكل لها، وهم يسألونك أن تخرج عارياً في عز صقيع لا عهد لك به، ولم يفكروا بقطعة قماش تكسو جزءاً يسيراً منك، وهم إما سفلة أو سفلة، تافهون أو تافهون، والأكيد أنه لا يعوّل عليهم، والجدير بهم أن يكسوهم البصاق، أو اللعنات شرط أن تحمل قواماً يشبه البصاق.

ويسألونك أيضاً أن تهجر ذاكرتك وحياتك وكل ما كنت عليه، لأنك في صدد أن تصير إنساناً جديداً، فتهرع إلى هذا الفردوس، فإذا به شجرة وارفة تمتعك بأعلى درجات الإنسانية وحشيةً لتصير إنسان المستقبل الخرائي بلا منازع، وسيتبدى لك من دون كثير تمحيص أن أصحاب الفردوس الموعود لم ينجحوا في اختبار القبول في حديقة الحيوان، وقد أحيلوا إلى امتحانات القبول في مكب النفايات حيث أتيح لهم التنقل من مجد تليد إلى آخر.

الغربان على أشجار النخيل، وفي الصحراء متسع لك ولنا جميعاً لأن تتغمدنا بواسع مغفرتها كذباً وبهتاناً والذنوب بأكثر من حبات الرمل، والواحات لا شيء إلا استراحات تافهة نتخلص فيها من الظمأ، والجوع على ما هو عليه متحالفاً مع التيه.

كاتب من سورية. مؤسس مجلة أوكسجين ومحررها. صدر له: " سيرة بطل الأبطال بحيرة الانكشاري ومآثر أسياده العظام (1984 هـ)" (رواية، منشورات المتوسط 2019)، و"كلاب المناطق المحررة" (رواية، منشورات المتوسط 2017)، و"الوقائع العجيبة لصاحب الاسم المنقوص" (مجموعة قصصية، منشورات المتوس...

مقالات أخرى للكاتب