"هاكسو ريدج".. نبي العنف الأعزل | زياد عبدالله

العدد 203 | 29 تشرين2 2016

ما زال  السيد ميل غيبسون قادراً على صناعة فيلم هوليوودي ملحمي محكم، وهو أمر لا يفاجئنا حتى وإن كانت عشر سنوات تفصله عن " أبوكاليبتو" 2006 آخر فيلم قام بإخراجه، وما دليلنا على ذلك سوى جديدهHacksaw Ridge  "هاكسو ريدج" الذي يتأسس على دراما قوية لها أن تغطي نسبياً على البنية الوعظية التي تأسس عليها الفيلم في العمق، كما أن دراما الفيلم خاضعة لتناقض بين الصورة والفعل، بين مناهضة العنف والعنف المفرط غير الجديد على صاحب "آلام المسيح" 2004، حيث تطالعنا الأشلاء الممزقة والبطون المبقورة والجرذان التي تقتات على الجثث المتفحمة ومزج ذلك بالروحانيات والوطنية والشجاعة والتي حسب الفيلم لها أن تلتئم جميعاً وتنصهر في سياق له أن يكون خلطة أمريكية بامتياز.

يمكن لهذا التناقض أن يكون مساحة للمشاهد ليخلص إلى المراد منه بخصوص إدانة الحرب، طالما أن فظاعاتها فاقعة في الفيلم، لكن ذلك لن يكون وارداً طالما أن الوطنية والدفاع عن  الوطن هما المفهومان المتسيدان منطق الفيلم، والمعركة الأساس في الفيلم هي معركة أكيناوا التي تدور رحاها في الأراضي اليابانية.

تتمركز قصة الفيلم حول شخصية ديسموند دوس (أندرو غارفيلد)، الذي ينضم إلى الجيش الأميركي إلا أنه يرفض حمل السلاح، وللدقة يرفض أن يلمس أي سلاح وهو يريد أن يكون ممرضاً حريباً فقط لا غير، طبعاً هذا سيكون الصراع الدرامي الأساس في الفيلم، فديسموند يريد المشاركة في الحرب بوصفه نبياً أعزل، الأمر الذي سيضعه أمام عوائق كثيرة تتمثل أولاً بأنه يدين بهذا الموقف زملاءه من الجنود والضباط، ولينتهي به الأمر إلى محاكمة عسكرية وهو يرفض أن يطلب التسريح من الجيش، إلى أن تنتصر إرادته بمساعدة والده ولجوئه إلى ضابط كبير في الجيش الأميركي وعثوره على ثغرة في القانون الأميركي تتيح له المشاركة في الحرب وهو أعزل.

ينتمي ديسموند إلى طائفة "السبتيين" التي تحرم تماماً القتل أي قتل كان، سواء دفاعاً عن الوطن أو أي شيء، وديسموند يقول لنا  "كيف يمكنني مواصلة الحياة مع ذاتي ما لم أكن ملتزماً بما أؤمن"، وليأخذ الصراع في الفيلم مساراً يشبه صراع الأنبياء مع مجتمع أو جماعة ترفضهم وما يدعون إليه في البداية، إلى أن يهتدي الضالون في النهاية إلى صواب معتقد ذاك النبي، ولنا أن نقول ونحن نتابع مجريات الفيلم كما قال يسوع المسيح في لوقا "اغفر لهم، لأنهم لا يعلمون ماذا يفعلون"، فدسموند سيجابه الجميع وسيجري تخوينه وضربه وليكتشف كل من قام بذلك خطيئته في النهاية، بعد أن يقوم بإنقاذ حياة 75 جندياً في معركة أكيناوا، وليبدو إيمانه باللا عنف ذو أثر دامغ في أعنف ما تخوضه البشرية ألا وهو الحرب، وليحوذ في النهاية على ما لا يجتمع عادةً، أي أن يكون الشجاع المسالم، أو السلمي المغوار، أو نبي العنف الأعزل.

ينقسم الفيلم الذي كتبه روبرت شنكان وأندرو نايت إلى قسمين، حياة ديسموند وطفولته ومراهقته وقصة حبه وما يشكله العنف فيها ومن ثم انضمامه إلى الجيش، بينما تحتل معركة أكيناوا القسم الثاني منه، فالفيلم يبدأ بـ Flash-Forward  من المعركة ثم يعود 16 سنة إلى الوراء ويواصل لحين التقائه بالمعركة، وهنا يؤسس غيبسون موقع تصوير فريد تدور فيه معركة طاحنة، وهي تتمثل بجرف صخري هائل على الجنود الأميركيين تسلقه بواسطة الحبل للصعود إلى قمته حيث تتواجد القوات اليابانية، وحين يقوم ديسموند بانقاذ الجنود، فإنه يقوم بذلك وحيداً، وهو ينقل جريحاً إثر آخر، يربط الجندي بحبل وينزله إلى الأسفل، وليكون ذلك بعد انعدام الأمل بإنقاذ جندي أميركي واحد مع دحر اليابانيين القوات الأميركية في هجومها الأول.

طبعاً وكما سنرى في نهاية الفيلم فإننا سنتعرف على ديسموند الحقيقي المتوفي عام 2006، وهو يروي لنا ما قام به إضافة لمن كانوا معه من ضباط وجنود، إلا أن ذلك لن يخفف من وطأة ما عايشته وأنا أشاهد الفيلم وتحديداً بنيته الفكرية حيث الديني والوطني، وقطاف المجد شتى أنواع المجد والفخار والسؤدد والنبل والشجاعة التي ليس لها بحال من الأحوال أن تفضي إلى اللا عنف، ولسلمية ديسموند أن تكون مباركة للعنف والدم من دون أن تتلطخ يداه هو وحده به، محققاً خلاصاً فردياً وحالة استثنائية بلا ريب ونحن نتكلم عن إنقاذه حياة 75 رجلاً.

*****

خاص بأوكسجين

كاتب من سورية. مؤسس مجلة أوكسجين ومحررها. صدر له: " سيرة بطل الأبطال بحيرة الانكشاري ومآثر أسياده العظام (1984 هـ)" (رواية، منشورات المتوسط 2019)، و"كلاب المناطق المحررة" (رواية، منشورات المتوسط 2017)، و"الوقائع العجيبة لصاحب الاسم المنقوص" (مجموعة قصصية، منشورات المتوس...

مقالات أخرى للكاتب