مقدمة العدد: التفكير تغيير | قيس الزبيدي

العدد 184 | 6 كانون1 2015

يشكل نشر ملف خاص عن برتولد بريشت في أوكسجين مساحة لمقاربة عوالمه الغنية والمنتجة بما يشمل مسرحه الملحمي ويتخطاه إلى أنواع أخرى من كتاباته الممتعة والمنتجة بما سيضيء لكم أن "عملية التغريب" شكّلت بالنسبة إليه عملية فكرية على اتصال بجوانب عدة في حياته الإبداعية.  

كانت مسيرة بريشت الإبداعية وتطور تصوراته الجمالية وثيقة الصلة مع تطوره الفكري كماركسي. ورغم أن معجبيه من النقاد في الغرب كتبوا عن أعماله دراسات هامة إلا أنها كانت تقبل الدرامي فيه وترفض الماركسي، الذي جاءت أهميته، كما قيل، من إلباس الماركسية ثيابا مسرحية. 

ارتبطت القواعد المسرحية السابقة في زمنه أولاً بمضامين ووظائف مختلفة، غير ملائمة ولم تعد تصلح كمعايير - كما رأى -  لعرض التغييرات الجديدة في العالم، مبيناً أن الناس، البترول، الإفلاس، الحرب، تجارة المواشي، الصراع الاجتماعي، العائلة، الدين، والقمح أصبحت مواد جديدة في العروض المسرحية. كما وجد أن الأسئلة القديمة لم تعد تنفع في البحث عن أجوبة أصيلة وجديدة، وبناءً عليه فإن "على المرء أن يسائل الواقع حول الأشكال الأدبية، وليس علم الجمال حتى ولا علم جمال الواقعية".

مسرح بريشت هو بحق مسرح حواري جدلي، يصور واقع مجتمع الملكية الخاصة بتناقضاته الشديدة، ويحاول أن يدفع المشاهد، على أساس معارف علمية، إلى المساهمة في تغيير وتجاوز تلك التناقضات لصالح مجتمع إنساني. وكان بريشت يعتقد باستمرار، "أن لا وجود لفن عظيم بدون أهداف عظيمة. وأن أسلوب المسرح الجديد هو الإجابة على الصعوبات التي تضعها أمامه المادة الجديدة والمهام الجديدة". من هنا انصرف فكره، ببساطة تامة، إلى الاهتمام في طرح أسئلة جديدة، ليخلص إلى أن الأسئلة المهمة تبقى أقل قوة من تلك التساؤلات ذات الأجوبة المعلقة لكن الممكنة. 

وكان السؤال الجديد الذي طرحه بريشت؟

من سيغيـّر العالم؟

أولئك، الذين لا يروق لهم

وجّه بريشت نقده المبدئي إلى "التماهي" لانه يشكل حجر الأساس في نظرية أرسطو  واقترح درامية جديدة، مكوناتها المركزية تتلخص في "التغريب" وأسس مسرحه على تأثير فكري جمالي من نوع فريد، لكن مع الاحتفاظ به بوصفه مكاناً للمتعة بشكل أساسي. فكما ينشغل العلم بالنفقة، كذلك يعنى الفن بالمتعة، مع أن كلاهما موجودين، لكي ييسرا حياة الناس: المسرح يقدم للمتفرج واقعه، والمتعة تأتيه من التعرف على إمكانية السيطرة على هذا الواقع وتغييره. 

ويذهب بارت إلى أن بريشت يبغي تحقيق وعي الجمهور في الصالة كحالة عدم الوعي التي تسود الشخصيات "الدرامية" على المنصة. من هنا بدأ الجمهور يشكل في العرض المسرحي الملحمي أحد العناصر المنتجة، التي يمكن أن تلعب الدور الهام في المسرح.  خصوصا وأن تعزيز الرغبة في الحياة هو الهدف من النشاط الفني عند بريشت، لهذا دوّن في أورغانونه: "نعرف أن للبرابرة فنهم. لنصنع نحن فناً آخر".

سنحاول إذن في الملف الأوكسجيني أن نضع أمام القراء تنويعات بريشتية بهدف تعزيز الرغبة في الحياة عن طريق قناعة جدلية: فالتفكير تغيير. ومبدأ التغريب بالذات يستهدف رؤية وفهم تحرير الظواهر الاجتماعية من سمة الألفة التي تحميها لتمنع استيعابنا لها.

إن مؤثر التغريب - حب بريشت - ينشأ وقتما يتم استحضار شيء للفهم، ووقتما يثير هذا الشيء الانتباه بتحويله من شيء مألوف ومعروف وموجود بشكل غير مباشر إلى شيء خاص وأخاذ وغير متوقع. إن البديهي يبدو في كيفية معينة غامضاً، وتغريبه يحصل فقط من أجل جعله مفهوماً بشكل أفضل، ليس فقط في نقاش ما إذا كان شيء ما "غير قابل للتغيير" إنما أن نلتفت الى تسمية كل ما لم يتعرض للتغيير. ونناقش وربما نساهم أيضا في تغيير ما لم يتعرض للتغيير. 

ختاماً يجب علي الإشارة إلى أن عدداً من المقالات تعرضت لإعادة تحرير من دون الإساءة إلى مغزاها الرئيس الذي كتبت وفقه وذلك لتتناسب من حيث الحجم مع النشر في مجلة أوكسجين الإلكترونية.

___________________________________

قيس الزبيدي: مخرج ومصوّر وباحث سينمائي مقيم بين برلين. تخرّج من معهد السينما في بابلسبورغ (ألمانيا الديموقراطية) عام 1969 حيث درس التصوير والمونتاج. رائد من رواد السينما التسجيلية العربية، من أفلامه التسجيلية: "بعيداً عن الوطن"، و"فلسطين سجل شعب"، و"شهادة للأطفال الفلسطينيين زمن الحرب"، و"وطن الأسلاك الشائكة". وقدّم روائياً "الزيارة" 1970 وهو فيلم تجريبي قصير، و"اليازرلي" 1974 فيلم روائي تجريبي طويل عانى من لعنة الرقابة أينما عرض،  ولم يعرض كاملاً إلا عام 2010. له العديد من المؤلفات النقدية والبحثية منها: "فلسطين في السينما"، و"المرئي والمسموع في السينما"، و"مونوغرافيات في تاريخ ونظرية الفيلم"، و"مونوغرافيات في الثقافة السينمائية".

alzubaidi0@gmail.com

*****

خاص بأوكسجين