"تانجو الأفيال".. الجمال متناثراً على طاولات السعيد بكسله | زياد عبدالله

العدد 170 | 2 نيسان 2015

 

ستكون قراءة المجموعة الشعرية الثانية للكاتب والشاعر المصري وائل عبدالفتاح "تانجو الأفيال" (الكتب خان – 2015) على قدر من تفكيك ترتيب القصائد، البدء من حيث عنونة فصل مفاجئ بـ "عندما تحطم الميتافور – نثر القصيدة"، وفي تتبع ذلك والعودة إلى قصائد المجموعة فإننا سنجد أن بداية الكتاب ستكون مع "مسودات لم تكتمل" وعبدالفتاح يقول لنا "لا أخطاء في الرقص"، وما بينهما سنسأل ما الذي حل بـ "الميتافور"  أو المجاز حتى يستدعي التحطيم مجدداً؟

يتأسس "تانجو الأفيال" على هذه المفارقة اللطيفة في العنوان، التي ليس لها إلا أن تكون نمط عيش استثنائي، ولتشكّل نصف القصائدفيه بياناً جمالياً لهذا العيش حيث تموضع القصيدة الأولى من الكتاب بعنوان "الخفة" تهبنا مفتتحاً إلى ذلك:

عندما وقفت عارياً ونتف الثلج تتساقط

كنت أريد إذابة شحومي القديمة

وقفت لأقول لك: لا أطل علي شيء

لا أرى شيئاً

لا أريد سوى هذه المربعات الصغيرة لأعيش فيها

هي كل شيء

ولا شي. 

ثم تأتي قصيدة "مساج" ويتبدى لنا الفيل مستسلماً لهذا المساج، ساكناً، مأخوذاً بقدمين تحفران على جسده:

حافية تمشين على ظهري

أصابعك تغرس فيما لم ألمسه من جسدي

وتفرغين الشهوة المتوترة في كل غرسة تردين بها دوخة أول قبلة

اللحم المتراكم من سنين ليمنحني كتلة فيل تتداعى كما لو كانت تنتظر كل هذه السنوات لتكتشف هشاشتها...

إنه الفيل الهش، الرقيق، راقص التانغو، المستسلم لليل المدينة، والذي "يحب الشوراع الصغيرة الملتوية ويبدو غريباً أينما حل"، ولعل حجم الفيل هنا استدعاء لكل ما يتبدى على النقيض منه وأول ذلك التانغو، كما هو الحال مع الرجل عموما "الرجل الشرقي"  عندما يبدأ "تحطيم الميتافور" بما يلي " الجسد الذي تعود على الهجوم والاقتحام يتلوى(..)هذا الإيقاع لا يناسب الفحولة".

الفيل مناهض للفحولة أيضاً، لكنه محتكم دائماً على عتاد اللذة، وذاك يبدأ من الطعام أي من "مطبخ الروح" القصيدة المطولة، حيث الأجهزة الحديثة توقظ شهوة إلى الطبيعة، ولسعة الزنجبيل لا تقتل، و"الخضار متناثر على طاولات السعيد بوحدته"، ففي هذا المطبخ هناك امرأة غائبة عنه، كانت تَطبخ فيه وتُطبخ باللذة والمذاقات والخلطات.

هذا التتبع الحسي لوقائع الفيل والتهامه الحياة وتسكعه سيتخللها تفقد الغيّاب، كما هي قصيدة Absente  التي تتكرر ثلاثا في تفقد للكاتب المصري الراحل هاني درويش، بينما يكون الثاني من نصيب أحمد عدوية "سيبعث عدوية من مدفنه عند البرجوازيين"، والثالث سيكون مارادونا حاضراً أو يده يد الله.

تستدعي قصائد وائل عبدالفتاح في "تانجو الأفيال" مساراً ليس ما تقدّم إلا تتبعاً له، وربما انحيازاً له، حين تأتي قصائد أخرى وتتخذ من مسار آخر لن يكون فيه الفيل راقصاً، ربما ستكون الشاعرية مرصودة من قبل "ديناصور" كما يرد في قصيدة "ما لا يروى للفيل"، أو سيحضر ما يقول لنا إن "العبيد لا يقررون مسار الرحلة"، ما يشكّل منعطفات ومنعرجات لها أن تعود وتلتقي بالفيل البديع، وهي تضيء على جوانب أخرى من بيانات الفيل الشعرية، إذ إن التانجو خاص بمجموعة من الأفيال وليس فيلاً واحداً، له أن يمارس "الكسل" الكلمة المفتاح في فهم عوالم المجموعة، و"كسالى" هو عنوان مجموعة عبد الفتاح الأولى التي لم ينشرها ورقياً، وهي بلا أدنى شك – ومن دون أن أقرأها – معبر إلى الأفيال، ذلك أن شعرية "تانجو الأفيال" هي شعريةالكسالى وجمالهم، الذين يمارسون الكتابة والكسل كما هو وائل عبد الفتاح، الساهر والسارد الليلي في شوارع وأزقة القاهرة، الذي يحلل سياسياً واقتصادياً واجتماعياً في مقالاته في جريدتي التحرير والسفير، ويستقرأ الحاصل حولنا، ماضياً نحو البناء دائماً على التقاطات تحمل ذاك الذكاء الشعري إن صح الوصف، بمعنى التقاط ما بين الأسطر، وتلك المفاصل التاريخية التي هي بالنهاية مفارقات تستدعي السخرية والمرارة، وربما الضحك، وبالتأكيد تحطيم المجاز والتشبث به، والوفاء للشعر سواء كان قصيدة نثر أو "نثر قصيدة".

 

كاتب من سورية. مؤسس مجلة أوكسجين ومحررها. صدر له: " سيرة بطل الأبطال بحيرة الانكشاري ومآثر أسياده العظام (1984 هـ)" (رواية، منشورات المتوسط 2019)، و"كلاب المناطق المحررة" (رواية، منشورات المتوسط 2017)، و"الوقائع العجيبة لصاحب الاسم المنقوص" (مجموعة قصصية، منشورات المتوس...

معلومات الكتاب

مقالات أخرى للكاتب