"المرأة التي كتبت التوراة".. شهرزاد النص المقدّس الدميمة | زياد عبدالله

العدد 250 | 29 كانون1 2019

 

تدفعني قراءة رواية البرازيلي مواسير سكليار "المرأة التي كتبت التوراة" (ترجمها عن الفرنسية أبو بكر العيّادي وراجعها عن البرتغالية عبد الجليل العربي –منشورات المتوسط 2019) إلى سؤال مفاده: هل كانت شهرازاد جميلة؟ وهل هي أجمل الجميلات كما هي حكاياها على امتداد ألف ليلة وليلة؟ سؤلان ما كان ليتبادرا إلى ذهني لولا رواية سكليار، ولربما كنت اكتفيت بأنها "قرأت الكتب والتواريخ وسير الملوك المتقدمين وأخبار الأمم الماضيين. قيل إنها جمعت ألف كتاب من كتب التواريخ المتعلقة بالأمم السالفة والملوك الخالية والشعراء." كما يرد وصفها في الحكاية الإطار التي تتوالد منها الحكايا ليلة تلو أخرى.

مع رواية "المرأة التي كتبت التوراة" لا يبدو هكذا تساؤل أمراً شكلياً أو سطحياً، بل مفصلياً فيما تأسست عليه حكاية هذه المرأة، وهي التي ستكون مؤلفة لواحدٍ من أعظم الكتب القصصية في تاريخ البشر، بعيداً عن القدسية وما يشكّله العهد القديم من مرجعية روحية ودينية، ولتكون "دمامة" تلك المرأة معبراً يؤسس عليه سكليار سرديته التخييلية معتبراً أنها الأساس على الأقل لفهم الحكاية، "فهذه المرأة التي تحدثكم كانت دميمة، دميمة جداً، دميمة مقبولة أو دميمة مهتاجة، دميمة خجلة أو دميمة راضية، دميمة متواضعة أو دميمة متكبرّة (..) ولكنها دميمة على الدوام."

وسننسى مع مضي هذه المرأة (لا اسم لها) في سردها، الحكاية الإطار التي ينسجها راوٍ في البداية يكون معالجاً عن طريق الحيوات السابقة، حيث تتداخل حياة المريض/المريضة مع شخصية أو حقبة تاريخية، وهكذا تأتيه امرأة ترى في منامها الملك سليمان وغير ذلك مما ينسج في مخيلتها حكاية المرأة التي كتبت التوراة، تاركة له مخطوطاً بهذه الحكاية التي تتلاقى في شذرات منها مع قصة تلك المتعالجة بالحيوات السابقة.

تأتي حكاية المرأة – الكاتبة من اكتشافها مدى قبحها حين تطالع وجهها للمرة الأولى في المرآة وهي في الثامنة عشرة من عمرها، حينما تدخل المرآة بيتها أو محيطها للمرة الأولى وعلى يد أختها "باختصار هذا ما رأيت: أ) لا تناسق فظيع؛ ب) نقص في الانسجام؛ج) حول (لو أنه معتدل)؛ شطط في البقع. ينبغي القول إن المجموع مؤطّر (مؤطّر! حلوة مؤطّر هذه! مؤطّر على غرار عمل فنّي جميل مؤطّر! مؤطّر!) بشَعر جاف كابٍ، قادر على إذلال  أي حلّاق."

وكما كل سرد روائي بديع فإنه سيكون متحلياً بالسخرية اللماحة، لا بل الضاحكة، فهي سرعان ما تمسي زوجة الملك سليمان ابن داوود، أو الزوجة رقم 701 ، وسرعان ما تقع في غرامه، وهي قبيحة الوجه، مثالية الجسد، والمتفوقة على جميع النساء بأنها تعرف القراءة والكتابة، ولكن "تضخّم بداخلي غيظ عظيم باردٌ، حلّ محلّ الحزن. الوغد أساء معاملتي، إساءة بالغة. مثلًا، ما حكاية أنه ارتخى بسببي؟ أعتقد الآن أن سليمان تحايل، كي يجد عذراً. الرجل الحق، الرجل ذو الخصيَتَيْن، كان يُقدّم دون أن يهتمّ بالجمال - فأيّ فرق في الظلام؟ راعٍ شابّ يمكن أن يسافد عنزة، والملك لا يستطيع أن ينكح دميمة؟ وأنا وحدي مَنْ تتحمّل وزرَ إخفاقه؟ هذا ظُلم بحقّ، وهو أقلّ ما يقال عنه."

تتأسس منعطفات الحكاية على عناصر القص الشعبي وربما الشفاهي، إلا أنها جميعاً آتية من هيامها بالملك سليمان، بالتعويض عن هجرانه لها، بما في ذلك اكتشافه أنها كاتبة لم يقرأ نصاً يضاهي روعة نص الرسالة التي تستنجد فيها بوالدها ويجري ضبطها واحضارها إليه، وليمتد ذلك ليشمل منطق ما صاغت عليها الوثائق والمخطوطات المجتمعة لدى الشيوخ "ففي روايتي، لا يطردهما الرّبّ من الجنة. بالعكس، كان يشجّعهما: «الآن وقد اكتشفتُما الحُبّ، يمكنكما مواجهة الحياة كما هي، ملآنة بالصخب والعنف»." إلا أن ما تود تعديله لا تنجح به أيضاً جراء سلطة أحد الشيوخ الذي ترفض الانصياع لاستيقاظ شهوته من سباته الطويل، حين يقرأ ما تكتب."

في رواية "المرأة التي كتبت التوراة" يترامى الدافع لكتابات تلك المرأة الدميمة للتوراة على امتداد الرواية، وهو كامن تماما في الحب/الجنس/الشهوة، ولا يتنحى جانباً كما هو دافع شهرزاد الذي يفضي إلى سردها التواليدي للحكايا، بحيث ننساه ونحن ننتقل من حكاية إلى أخرى، فمع هذه الرواية تبقى جذوة الدافع متقدة وحاضرة، وسبباً لكل الأحداث لحين بطلانه مع النهاية.

---------------

يمكنكم الاطلاع على فصل من الرواية ضمن مواد العدد 250

كاتب من سورية. مؤسس مجلة أوكسجين ومحررها. صدر له: " سيرة بطل الأبطال بحيرة الانكشاري ومآثر أسياده العظام (1984 هـ)" (رواية، منشورات المتوسط 2019)، و"كلاب المناطق المحررة" (رواية، منشورات المتوسط 2017)، و"الوقائع العجيبة لصاحب الاسم المنقوص" (مجموعة قصصية، منشورات المتوس...

معلومات الكتاب
اسم الكتاب: المرأة التي كتبت التوراة
مؤلف الكتاب: مواسير سكليار

مقالات أخرى للكاتب