القطة سوداء بإذن الله | زياد عبدالله

العدد 204 | 17 كانون1 2016

يموضع الزمن مروره بنقاطٍ مضيئة وأخرى معتمة!

تتجاور النقاط، تتلاصق، تمسي خطاً، من دون تمييز بين نقطة مضيئة وأخرى معتمة.

المهم: الخط الذي يمسي مساراً يقود إلى الحتف.

الحتف وراد من دون فلسفة في مدينةٍ تلتهمها الحرب، والمقتلة ضاقت بها الجغرافيا، بدت التضاريس سهولاً مترامية صالحة للركض بأعتى السرعات نحوه.. نحو الحتف.

ليس في نيتي إلحاق الأذى بالأمل، لا قِبَل لي ولا طاقة، أستظله ..أمضي ..أواصل.

يومٌ آخر ونجاتي متواصلة يداً بيد مع عداد القتلى الذي لا يكلّ ولا يملّ، وأنا لم أُحتسب بعد، لم أردَ رقماً تافهاً في نشرات الأخبار.

سنقاتل حتى آخر سوبر هيرو..

سنقاتل حتى آخر باربي..

الحياة وردية كما باربي، ويمكنني مشاهدة التلفاز، ما زال هناك كهرباء!

سيجارتي ممتدة أمامي وشفتايّ تتمسكان بها، أرطبهما ولساني وأعماقي السحيقة برشفة القهوة، ثم أعيد السيجارة إلى شفتيّ فتتمسكان بها أكثر، أشعلها وأعبُّ الدخان..

يا الله ما أجملها الحياة!

لا أريد نهاية لجلوسي هكذا، لا أريد أن أشغل حيزاً غير هذا الذي أشغله الآن على أريكتي، لا أريد لسيجارتي أن تنتهي، ولتتوالى الثواني والدقائق شفّةً شفّةً.

انتهت سيجارتي.

 أحرقت تبغها كاملاً.

 أوصلتها بر الفلتر، وها هي نافقة في المنفضة.

أشعل سيجارة ثانية.

 اللعنة!

لا شيء فيها من نعيم الأولى، تحترق وتحرقني، أوصلتها هي أيضاً بر الفلتر. شيّعتها، دفنتها في المنفضة من دون دعاء لها بالرحمة والنجاة من عذاب القبر، وهكذا لن تنبعث العنقاء من رمادها.

اللهم آمين!

انقطعت الكهرباء. في هذا البيت أيضاً تنقطع الكهرباء، كما كل المدينة، المدينة التي تئن حجارتها ويُسمع لها أصوات لا عهد لي بها، متألمة هي، ترسم يومياً أشباح من يفارقونها على الجدران والأسفلت والشبابيك، لقد ضاقت أحشاؤها بجثثهم وهم يُدفنون ولا يُدفنون.

عليّ توضيح أمر هام جداً:

 انتقلت البارحة فقط إلى بيتٍ جديد، وأرجو منكم ألا تعتبروني مجنوناً أو أحمق، أو شيئاً من هذا القبيل لإقدامي على شراء بيت جديد في مدينة تنهشها الحرب. الأمر لا علاقة له بأن هذا البيت أكثر أماناً، ولا هي نزوة حربية مموهة لا يمكن التقاطها على رادار المنطق الإنساني الممزق، إنه فعل مرتبط بتحقيق أمنية أخيرة، وليكن ما يكون بعدها، فهذا البيت ليس إلا بيت جدتي وقد باعه خالي منذ أكثر من عشرين سنة. اشتريته بتراب الفلوس، بثمن بخس دفعته عن طيب خاطر وفرح مدمر لقاء أن أحيا من جديد والموت ظلي وظل من لا ظل له في هذه المدينة.

إنه مسرح أحلامي، ما من منام تسلق نومي منذ زمن طويل إلا وكان هذا البيت مكاناً لوقائعه أو بعضاً من أحداثه.

لم أقع على أحلام في ليلتي الأولى فيه، تواجدي في مسرح أحلامي تركني من دون أحلام، كمن امتلك المسرح وقتل المخرج والممثلين وتقنيي الإضاءة، وأمسى مسرحاً من دون مسرحية.

هاكم سيجارة ثالثة، وهي هذه المرة لا معنى لها، لا هي جنة ولا جحيم، لا تدغدغ ولا تحرق، محايدة تدفعني لأفكار سخيفة قاتلة، كأن أُجري تعديلاً مفصلياً على رغبتي الأخيرة قبل إعدامي: السيجارة الأخيرة! لكن ماذا لو كانت بطعم سخيف؟ ما العمل حينها وآخر ما تذوقته من الحياة سيكون بهذه الرداءة!

انقطع كل ذلك مع رجرجة هاتفي المحمول وهو ينخر عظام الطاولة الخشبية الموضوع عليها.

أجده شاةً مذبوحةً تناجيني أن أجيب، وأنا أقول لن أضعف وأجيب، دعوني على أريكتي، دعوني أستمتع بالسجائر وأرطب عمري بالقهوة في بيت جدتي.

تتوقف الشاة المذبوحة التلفونية عن التمرغ بخشب الطاولة والأنين والمناجاة.

يعاود من جديد.

أتجاهله.

ثم يعاود من جديد وهو في يدي وأنا أحاول تحويله من رجرجة لجوجة قاتلة إلى الصمت..

عبثاً!

- ألو

- نعم ..نعم أنا هو!

- نعم أعرفه.

- تقصدين المستشفى المضاء؟

- أستطيع المجيء مساء.

- تقريباً الساعة الثامنة؟

- مساء الخير والأمل والرواق.. القطة سوداء بإذن الله.. النجم ساطع سبحان الله.. تمام حفظتها.

- اتفقنا!

____________________________

من قصة " الحوادث غير اليومية للطبيب الأخير"، المنشورة ضمن مجموعة قصصية بعنوان "الوقائع العجيبة لصاحب الاسم المنقوص" الصادرة عن منشورات المتوسط – ميلانو 2016.

كاتب من سورية. مؤسس مجلة أوكسجين ومحررها. صدر له: " سيرة بطل الأبطال بحيرة الانكشاري ومآثر أسياده العظام (1984 هـ)" (رواية، منشورات المتوسط 2019)، و"كلاب المناطق المحررة" (رواية، منشورات المتوسط 2017)، و"الوقائع العجيبة لصاحب الاسم المنقوص" (مجموعة قصصية، منشورات المتوس...

مقالات أخرى للكاتب