السمعي/ البصري في السينما | قيس الزبيدي

العدد 166 | 10 شباط 2015

(1)

إذا ما كنا نتبنى عموماً تعريفاً للسينما بأنها حكاية تروى بالصور المتحركة فقط، فإننا نتناسى تركيبها من نظاميين فنيين سرديين: نظام بصري و نظام لغوي يشكلان في حصيلتهما نظاماً ثنائياَ سيميائياَ مركباَ يتيح عدداً من تآلفات وتركيبات بصرية وصوتية متنوعة. 

 

وحينما يتأتى علينا أن نبحث في الصوت على حدة، فعلينا أن ننطلق من قدرته، أولاً، كعنصر درامي في عملية التزامن بين ما يُسمع وبين ما يُرى، آخذين بالحسبان طبيعة الفرق بين الإدراك البصري "المكاني" بوساطة العين، وبين الإدراك السمعي "الزماني" بوساطة الأذن. من هنا يجب ألا يغيب عن بالنا أنه ليكون بمقدور عنصرين أو أكثر أن يأتلفا معاً لا بد أولاً أن يوجد كل منهما منفصلاً عن الآخر. فالصوت يعوض عن سطحية ثنائية الصورة ويمدها بالبعد الثالث أي العمق: عربة مندفعة بسرعة فائقة نحو الجمهور يصاحبها من خارج الصورة وقع حوافر حصان قوية هنا يتجاوز إحساس المشاهد سطح الشاشة ويكتسب بعداً ثالثاً. 

 

الصوت

 

ينتقل الصوت عبر موجات فيزيائية، نستقبلها بشكل ذاتي ويتم هضمها وتمثيلها وفهمها. ويميز المختصون قوة الصوت وحدّته ووضعه (عالي – عميق) والذبذبات ووقع الصوت (رنينه). وتنتقل موجات ذبذبة الصوت عبر الأثير أو عبر الماء أو عبر أي مادة صلبة إلى الأذن ويتم خلق الصوت وتسجيله وإعادة إنتاجه بشكل متكامل في إنتاج الفيلم وعرضه. ويتميز شريط الصوت بأنه أكثر تركيباً من شريط الصورة ويتألف من مكونات ثلاثة هي الحوار والمؤثرات الصوتية والموسيقا. ويمكن وصف الصوت انطلاقاً من أثر صوتي أكان نغمة أو جرساً ومن الإيقاع أيضاً ومن التطابق بين الصوت ومصدره ومن الفضاء أي من مكان المصدر ومسافته ووجهته ومن الزمن أي من استعمال الصوت بشكل آني متزامن أو بشكل غير آني لا متزامن. ويبقى الاختلاف المهم هو التعادل بين الصوت السردي أو الموسيقي الذي ينتج من داخل فضاء حكاية الفيلم. مثلا أغنية تسمع في مشهد خاص من راديو. ومن الصوت غير السردي أو من صوت يأتي من الخلفية وليس من داخل فضاء حكاية الفيلم. 

 

في بحثنا في الصوت السينمائي على حدة نكتشف إمكانات وطاقات التعبير الكامنة في العناصر، التي تشكل بنيته وعلينا حينئذ أن نفهم، أولاً، قدرة الصوت انطلاقاً من طبيعة السينما، كوسيط فوتوغرافي- فونغرافي، كـ فن آلة التصوير و فن الميكرفون، وليس على أساس من الدور الذي يمكن للصوت أن يلعبه، عن طريق التباين بين ما يُسْمَع وما يُرّى، في ربط وزيادة حدة التأثير البصري في الصورة، فالفيلم هو أصلاً وسيلة إعادة بناء بصري، تم اختراعها من قبل العلماء والتقنيين، قائمة على عرض صور بصرية فوتوغرافية، متحركة ومستمرة، مثله مثل تقنيات الصوت، التي هي أيضاً وسيلة إعادة بناء سمعي حديثة كالغراموفون والراديو.

 

لقد كان عام 1927 هو بداية مرحلة مهمة في تطور صناعة وجمالية الصور المتحركة. وقد انتظر الفيلم مدة 32 سنة ليتكلم فيه الأشخاص وتسمع فيه أصوات الطبيعة وتصدح فيه الموسيقى. 

خلق الانتقال من السينما الصامتة إلى السينما الناطقة، بوسائل تقنية، عالماً أكثرَ واقعية،

وشكلت قدرة الفيلم على إضافة الصوت إلى شريط الصورة قفزة نوعية من الناحيتين التقنية والفنية كما أصبحت السينما وسيلة تعبير سمع بصرية، يقابل فيها الصوت الصورة. وعن طريق إقامة علاقة خلاقة متفاعلة أو متصادمة بين هذين العنصرين المركبين أساساً، نشأت جمالية فنية جديدة ذات قدرة كبيرة على التعبير عن مواضيع معاصرة جليلة ورسخت طرق المونتاج وفتحت إمكانات تطور جديدة غير مألوفة، فقد كان أمام السينما في مرحلة الماضي وسائل مبتكرة في التعبير عن الأصوات، لكن حضور الصوت نفسه على شريط مستقل ومواز لشريط الصورة هو مرحلة تطور جديدة أتاحت أمام سردية الصورة، عن طريق المونتاج، طرق تعبير سردية لا تحصى.

نفهم من ذلك أن يتم اختيار الأصوات مثلها مثل الصور مثلما يتم اختيار الوسائل التي تجعل بإمكان العمل السمعي  البصري أن يدل على معنى ما يراد الدلالة عنه دون أن يكون ملزماً بقوله، أي أن ينقل معنى اللغة المنطوقة إلى لغة التعبير التشكيلية البصرية.

 

شكّل ربط البصري مع الصوتي، من حيث المبدأ، شكلاً جديداً للمونتاج. وبغض النظر عما إذا كان هذا الربط طباقياً، متزامناً أو غير متزامن، فإن الشكل الجديد للمونتاج، أو بتعبير أفضل، الجانب الجديد للمونتاج، واعتبر وبسرعة بمثابة إغناء لوظائف المونتاج المعروفة قبلاً وبرهن الصوت في أشكال ظهوره المختلفةـ كموسيقى مصاحبة أو كتعليق منطوق، كحوار أو كحوار داخلي (مونولوغ )، ((كموسيقى في الصورة)) أو كمؤثرات أصليةـ على فائدته في إنجاز كل هذه الوظائف".