الزمن في السينما - نظرة عامة | قيس الزبيدي

العدد 162 | 27 تشرين2 2014

تكمن إحدى الصعوبات الأساسية في كتابة السيناريو في ضرورة التعبير عن الأحداث الدرامية في زمن قياسي محدد للغاية. ذلك أن الفيلم الناطق أصبح يخضع عموماً إلى شرطين، الأول ألا يتخطى حدود الثلاثة آلاف متر وتساوي زمنيا 90 دقيقة والثاني ألا يغفل الإنتاج أبدا ما يسمى العرِض. ونحن نعرف أن الثلاثة آلاف متر هي حدود تركيز الجمهور الحساسة وهي بتعبير آخر تأخذ بنظر الاعتبار العرض التجاري. أما الأعمال الطويلة المقتبسة عن أعمال روائية كبيرة مثل “1900” و"الامبراطور الأخير" لبرتولوتشي. أو "أرض الميعاد" لفايدا و"دكتور زيفاغو"-أكثر من 3 ساعات-لديفيد لين، فإنها حالات استثنائية تعتمد على القرار الإنتاجي.

ونحن لا نجد في تاريخ السينما فيلماً مصاغاً بأكمله بوحدة زمانية مكانية واحدة، سوى فيلم "الحبل" 1948 لهتشكوك. ويتألف الفيلم من مشهدين: تقترب آلة التصوير من نافذة بيت، والمشهد الثاني تجري أحداثة كاملة داخل البيت ولمدة 90 دقيقة.

وهناك مثال آخر مختلف هو فيلم " الظهيرة" 1952 لفريد زينمان وتجري أحداثه في زمن مدته 90 دقيقة وهي مدة عرض الفيلم نفسها. وفيلم آخر هو "كليو من الساعة الخامسة إلى السابعة" (1962) من إخراج آنيس فاردا.

أمامنا إذن مهمة التفكير بحدود الزمن بصرامة، لأن كتابة السيناريو تتطلب من الكاتب وعياً بالزمن والتوقيت! لهذا لابد من تنسيق الحكاية وتنظيم الأحداث وفقا لخيار زمني معين ونسب سردية معينة، خصوصاً وأن الكتابة للسينما تواجه مسألة بناء زمن الحكاية وزمن سرد الحكاية، ويختلف إحساس الأديب بالزمن أثناء كتابته الأدبية عن إحساسه بالزمن أثناء الكتابة الأدبية للسينما.

وتبقى مسألة بناء الزمن الواقعي والزمن الفني: أي اختزال الزمن الواقعي الى زمن فني درامي أمراً يواجه على الدوام الكتابة للسينما.

وتكتب يمنى العبد عن الزمن في السرد متناولة الزمن المُتَصوَّر والزمن المُصَوَّر:"إن الكاتب حينما يكتب لا يتعامل مباشرة مع الواقع بل مع ما يرتسم في ذهنه ويتصوره في مخيلته. أما حينما يكتب تصوره، فإن عملية شروط الكتابة وأدواتها التي تصوغ مادة الكتابة تخضع المُتَصوَّر وفقا لشروط ما هو مُصَوَّر وتحول الزمن الأول إلى زمن ثاني، أي إلى زمن يخص الزمن المُصَوَّر ".


وفي السينما كما في الرواية تتم الاستعانة بتقنيات السرد الأربع: الخلاصة والاستراحة والحذف والمشهد، وفقاً للعلاقة مع نمط الحكاية المختارة وتحديد عناصر سردها المناسبة ووظائفها. ويتعرض تودوروف في كتابه"الشعرية" إلى مقولة الزمن عند جينيت ويفسر العلاقة بين الخطين الزمنيين: خط زمن الحكاية وخط زمن سرد الحكاية بحيث ينشأ الانتقال بين الزمنين على أساس علاقات معينة مختلفة. فالانتقال من نظام زمن الحكاية إلى نظام زمن سردها لا يمكن أن يكون موازياً تماماً. فثمة بالضرورة تدخلات في (القبل) و (البعد). و مرد تدخلات السرد يأتي من الاختلاف بين الزمنين من حيث طبيعتهما. فزمنية الحكاية أحادية الجانب وزمنية السرد متعددة.

وهكذا فإن ثلاثة خيارات تتواجد أثناء الكتابة:

1. تطابق زمن سرد الحكاية مع زمن الحكاية

2. عدم تطابق زمن سرد الحكاية مع زمن الحكاية، كأن يكون زمن السرد أقصر بقليل أو اقصر بكثير من زمن الحكاية.

3. تطويل زمن سرد الحكاية قياساً إلى زمن الحكاية.

وتؤدي استحالة التوازي إلى الخلط الزمني الذي يُميز فيه بداهة بين نوعين رئيسيين: الاسترجاع أو العودة إلى الوراء، التي تروي لنا فيما بعد ما قد وقع من قبل، أو الاستباق الذي يعلن عما سيحدث مستقبلاً، بمعنى أن الزمن الحاضر في السينما يمكن إرجاعه إلى الوراء وإلى الماضي أو تقديمه إلى المستقبل

يوضح تودوروف الزمن في أربع حالات، وهي كما يلي:

1) تعليق الزمن: الوقفة أو الاستراحة و يتحقق عندما لا يتطابق أي زمن وظيفي مع زمن الخطاب –الحكاية. وهذا شأن الوصف و الخواطر العامة.

2) الحذف: كحالة معاكسة للاستراحة، لا يتطابق فيها الزمنان وتتمثل في إلغاء مرحلة كاملة من زمن الحكاية.

3) المشهد: وهي حالة توافق تام، أي تطابق بين زمني الحكاية و السرد، وهي تتحقق عبر الأسلوب المباشر الذي لا تطرأ فيه أية تعديلات على زمن الحكاية: كحوار الشخصية المباشر في زمن الحاضر.

4) الخلاصة: وهي الحالة التي يمكن أن تجمع سنوات برمتها في جملة واحدة مكتوبة مثلاً: بعد أو قبل ثلاث سنوات.