"الرجل الذي لا خصال له" .. رواية روبرت موزيل اللا متناهية | زياد عبدالله

العدد 259 | 11 أيلول 2020

 

كيف يمكن الاطباق على رجل لا خصال له؟ أليست خصاله علامات تتبع لشخصه وروحه وأفكاره ورغباته ونزواتها؟ ثم أليس حرياً بنا تعقبها وهي تتشكل وتجتمع وتتشتت، ثم تعاود التشكل من جديد، ويُضاف إليها ويُحذف منها لنخلص إلى هذا الرجل واسمه أولريش وقد فارقته الخصال، وهو يمضي من صفحة إلى أخرى على هذا النحو وقد أحكم روبرت موزيل (1880 – 1942) قبضته عليه، يصوغ عوالمه إلى ما لا نهاية في روايته المفصلية في تاريخ السرد الروائي "الرجل الذي لا خصال له".

إنه أولريش الذي لم يكن "يخضع كما يفعل أي واحد من هذا الجنس لتصورات غير معينة، لكنه لم يكن من جهة أخرى ليخفي بأنه عاش هو نفسه بكل وضوح طيلة سنوات ضد نفسه فقط وأنه يتمنى أن يحدث له شيء غير متوقغ، ذلك لأنه وهو يفعل ما كان يسميه عطلة من الحياة لم يعثر في هذا الاتجاه أو ذاك على ما يمنحه السلام."

لا مجال للتراجع إذن مع هكذا عمل روائي عظيم، أراد فيه مؤلفه النمساوي أن تتحول الرواية إلى مادة حية تبشر بأخلاق وأفكار جديدة تحل محل تلك البرجوازية البالية والمستهلكة، وتشييد بنى روحية وذهنية لها أن تكون أشبه بمولدات لأسئلة الإنسان الوجودية والأخلاقية والسياسية والتاريخية من غير أن يتوانى عن الإجابات أيضاً التي لا تخلو من نقائض، في تتبع للأعماق الإنسانية وهي تجابه الحياة والموت، وبوصف النقائض مركباً إنسانياً أصيلاً.

" ليس الإنسان جيداً فحسب وإنما هو جيد دائماً؛ وهذا يشكل فارقاً هائلاً، هل تفهمينني؟ إننا نبتسم على سفسطائية حب الذات، في حين يتوجب علينا أن نستخلص منها أن الإنسان لا يستطيع أن يقوم بأي عمل شرير إطلاقاً، وإنما يقوم بعمل ينجم عنه الشر. هذه المعرفة تصلح أن تكون منطلقاً لنا إلى الأخلاق الإجتماعية."

لكن وقبل التوغل أكثر في "الرجل الذي لا خصال له" عليّ أن أشير إلى أنها رواية لم تكتمل، إذ توفي موزيل بعد أن نشر جزأيين كبيرين منها، ولتنشر زوجته ما تبقى من مسوداته، هو الذي كان ينتوي أن يختتم الرواية مع بداية الحرب العالمية الأولى، فإذا به يصل الحرب العالمية الثانية ولم يفرغ منها.

كل شيء في الرواية يتحول إلى مساءلات وجودية، تنقضُّ على القارئ من شتى الجهات والجوانب إلى أن تُستنفد تماماً، ويوحي البناء السردي للرواية ببساطة شديدة للوهلة الأولى، إذ ما من تنويعات في السرد، والوقائع والأحداث تمضي وفق مسار الحياة اليومية، لا بل إن الرواية تبدأ بحادثة اصطدام شاحنة بأحد المارة وتجمع الناس حوله ومن ثم وصول سيارة اسعاف وليخبرنا الراوي بإحصائية مفادها أن 190 ألفاً يقضون جراء حوادث السير وأن عدد جرحى هذه الحوادث 450 ألفاً، إلا أن كل شيء يخضع إلى نبش ومعاينة يخلص موزيل من خلالها إلى اكتشافات ومعابر لا يمكن توقعها، والدهشة التي تحدثها متأتية من أصالة فكرية، كما لو أننا نحن معشر القراء نعايش هذه التوالدية الفكرية واللغوية وهي تجري في مختبر سرعان ما يقودنا إلى اكتشاف تلو آخر.

وفي هذا السياق يرى ميلان كونديرا أن كل شيء في "الرجل الذي لا خصال له" يتحول إلى ثيمة أو تساؤل وجودي، و"على العكس تماما من رواية توماس مان "الجبل السحري" (كتبتا في ذات المرحلة أو الحقبة النهائية للأزمنة الحديثة التي بدأت عام 1914) وحين يغدو كل شيء ثيمة تختفي الخلفية، وكما على سطح لوحة تكعيبية، لا وجود إلا للسطح الأول، وفي هذا الإلغاء للخلفية أرى الثورة البنيوية التي أنجزها موزيل".

يتضح عند قراءة "الرجل الذي لا خصال له" بأنها لن تكتمل، وللحقيقة فإنها لا تحتاج نهاية، حيث أن بنيتها لا تتطلب خاتمة أصلاً، ونحن ننتقل من فصل إلى آخر، وكل فصل يجهز على فكرة، وينقل بطلها أولريش من طورٍ إلى آخر، ففي فصل - على سبيل المثال - نتعرف على أبيه الذي يمتلك خصالاً فحتى "رجل لا خصال له يملك أباً بخصال"، وفي ثلاثة فصول أخرى نتتبع ثلاث محاولات ليصير المرء رجلاً عظيماً، ويكفي إيراد اسم الشخصية التي ستدخل حياة أولريش حتى نطالع تقدّماً في الأحداث التي تفضي إلى جدالات وأفكار تشرّح كل ما يُشرّح وما لا يُشرّح.

يحيل ميشائيل مار في كتابه "فهود في المعبد" (ترجمة: أحمد فاروق – إصدار مشروع كلمة 2009) عدم تمكن موزيل من إنهاء روايته العظيمة (أمضى 20 سنة في كتابتها من دون أن يفرغ منها، لا بل إن كراساته تشير إلى أنه بذور تكونها بدأت منذ عام 1905) إلى وسواس مرضي، ويروى عن موزيل أنه كان يسجل في دفتر استمتاعه بكل سيجارة والوقت الذي أمضاه في تدخينها، كما أنه كان يقوم بعدّ كل النوافذ التي يمر بها أثناء مشيه في شوارع فينا، ولعل هذا يلتقي مع هوسه بإعادة الصياغة أثناء التأليف، إذ إن كل ما كان يكتبه يخضعه لعدد غير متناه من  الصياغة وإعادة الصياغة "لابد من تتبع كل إمكانية جديدة حتى يصل بها إلى طريق مسدود".

ويكتب موزيل إنه عندما يراقبه أحدهم أثناء لعبة تنس أو مبارازة فإنه يرغب بتحسين أدائه فيصاب بتشنج عضلي، وعندما قرأ لألفرد أدلر شرحاً لنوع معين من العصاب، أطلق عليه "الخنثوية النفسية" شعر بأنه أصابه بالصميم هو الذي نشأ كفتاة ( ولد موزيل بعد وفاة أخت سبقته إلى الحياة بعامين فوجدت فيه أمه تعويضاَ عنها)، ووفقاً لاكتشاف أدلر فإن المريض يقوم ليلاً مثل بينلوبة زوجة عوليس بتمزيق ما نسجته يده أثناء النهار.

ويخلص مار إلى أنه لو كُتب لمارسيل بروست أن يعيش ثلاث سنوات أخرى لكان تمكّن من إنهاء "البحث عن الزمن المفقود"، أما موزيل ولو عاش 100 سنة أخرى لما تمكن من إنهاء الرواية، أو حسم ما سيحصل بين أولريش وأخته أغاتا، وهكذا أدرك موزيل أن مشكلة حياته تكمن في "عدم قدرته على الحسم"، ومردُّ تلك المشكلة لم يكن على اتصال بـ "النقص بل بالفائض"، وصولاً إلى النقائض التي اجتمعت فيه، والتقلبات التي كانت تعصف به جراء لعبة الاحتمالات اللامتناهية التي ارتبطت باسمه، تلك التي كان يرى بها حاسة يعرّفها بأنها "القدرة على عدم الاهتمام بالأشياء الموجودة بقدر أكبر من تلك غير الموجودة"، ولعل في هذا الاقتباس من الرواية ما يدلل على الآنف ذكره: "لقد توصل الآن إلى معرفة بأنه ما من عودة طوعية في تاريخ البشرية. ولكن ما يصعّب الأمر أكثر هو أننا لا نملك أي تقدّم مجدٍ إلى الأمام. اسمحي أن أقول لك إننا في وضع غريب جداً، فنحن لا نستطيع التقدم إلى الأمام أو نتأخر إلى الوراء ، وثمة شعور بأن اللحظة الراهنة أيضاً لا تطاق."

ويبدو أن لعنة موزيل وروايته العظيمة طالت ترجمتها إلى العربية أيضاً، فقد صدر الجزء الأول منها عن منشورات الجمل عام 2003، وقدّ نقلها عن الألمانية ببراعة الشاعر والروائي العراقي فاضل العزاوي، ومنذ ذلك الحين وأنا أترقب ما تبقى منها.

 

*****

عن العدد 36 من مجلة "الشارقة الثقافية"

 

 

 

كاتب من سورية. مؤسس مجلة أوكسجين ومحررها. صدر له: " سيرة بطل الأبطال بحيرة الانكشاري ومآثر أسياده العظام (1984 هـ)" (رواية، منشورات المتوسط 2019)، و"كلاب المناطق المحررة" (رواية، منشورات المتوسط 2017)، و"الوقائع العجيبة لصاحب الاسم المنقوص" (مجموعة قصصية، منشورات المتوس...

معلومات الكتاب
اسم الكتاب: روبرت موزيل
مؤلف الكتاب: الرجل الذي لا خصال له

مقالات أخرى للكاتب