استعارات الغريب.. مدينة يهجرها الموتى | عباس النابلسي

العدد 202 | 10 تشرين2 2016

"لعل التاريخ الكونيّ في نهاية الأمر تاريخ حفنة من الاستعارات"

حينما يصدح خورخي بورخيس بهذه التغريدة المفرِطة، فهذا يعني أنه تجاوز مفهوم الاستعارة من كونها تقنية بلاغية، إلى فضاء فلسفيّ يشبه كرةً سرمديّة.

وإذا كانت البلاغة الشكلية ترى أنّ الاستعارة هي "ما اكتُفي فيها بالاسم المستعار عن الأصل" كما يقول الجرجاني،  فإنّ ذلك غير بادٍ في نصوص سمير اليوسف من كونها اتخذت صاحب أسرار البلاغة مرجعاً أو أصلاً لنصوصه الغريبة المستعارة، ذاك أنّ الإنزياح الدلاليّ ـ بل الانتهاك ـ الذي قام به اليوسف لا يمكن  العثور عليه لدى هذه المرجعيات التي تبني نفسها وفق معيار شكلي للغة، بل إننا نحظى بأبعد من هذا في فلسفة شعراء آخرين موغرين في المعنى كما هي عند الأفوه الأودي الشاعر الجاهلي الذي لخّص مفهومه للعالَم في هذا البيت:

إنما نعمةُ قومٍ متعةٌ / وحياةُ المرء ثوبٌ مستعارُ.

فماذا يستعير سمير اليوسف؟!

يبدأ الشعرُ لحظة افتراق المعنى عن اللفظ أو قلْ لحظة اغترابهما وها هنا ليست غربة الاشكال والصور بل غربة الشاعر نفسه عن كل ما حوله، عن عالمه المرئي، عن محيطه المحسوس، عن جسده، عن الكون بأكمله.

"قالوا لا مكان لك للذهاب إليه". يقول اليوسف.

ولكن مع من يعيش هذا الغريب الذي وجد نفسه خارج الحيّز الجغرافي المسمّى بالمكان، فكل ما يحيط به يولّد في نفسه الشعور بالغربة والناس نماذج لهذا الشعور البائس المشتعل بالمرارة والعبثية تماماً كما يقول أبو تمام "كأناسٍ قد أصبحوا صدأ العيش".

يلتفت "الغريب" فلا يجد سوى الجدار أمامه في هذا العالَم. يخاطبه كمتكلّم أبكم يُجري معه حوار الآلام، غير أنّه شفقته على حائط لا ذنب له في كل ما يجري تحيله إلى الاعتذار من تلك المحاورات الأفلاطونية "يا صديقي، أيها الجدار لَكم أرهقتك بقصصي".

وماذا بعد اللامكان؟ إلى أين يا آدم في هذا المنفى الكبير الذي اسمه الكون؟ إلى الأحلام، إلى حكاية الغرباء يجهز صاحب "استعارات الغريب"  بكل إرادة وصدق ليروي لنا قصصه في الحلم والجنون والموت.

نخدع أنفسنا إن لم نقل ـ ونحن نقرأ النصوص ـ إننا أمام لحظات سوريالية بالمعنى الشامل للكلمة فالحلم وسيلة السورياليين للدخول الى الذات وصولاً الى المعرفة العليا، والبحث عن واقع آخر يكشف العفوية الانسانية ويستنطق القوى النفسية ويستشرق المواضع المخفية؛ فالحلم كونٌ من الصور والذكريات خارج كل منطق وكل تعقّل. ولكن حكاية المنام حكاية غربة أيضاً فيوسف حينما روى المنام صار غريباً بين أهله.

العالَم السورياليّ الآخر هو عالَم الجنون، وفي عالم الهذيان ـ هذيان هاملت وجنون اوفيليا ـ يبقى الخيال هو الأهم فأولئك المرضى ـ المجانين يعرفون ـ حسب فرويد ـ أكثر منا عن الواقع الداخلي ويكشفون لنا أموراً لا يمكن التوغل اليها.

ولئن كان الحلم أو الجنون هما لحظتا انفلات وتخلّ عن العالم المحسوس، فإن اللحظة الأخيرة لدى الشاعر هي لحظة الموت، وموت الشاعر هنا هو غيابه التام النهائي عن هذا العالم وليس له أن يعود إليه، ولكنّ المشهد الأخير يذهلنا فنرى أنّ الموتى أيضاً يفرّون من مدن الأحياء فالغربة تلاحقهم وتقضّ نومهم الأبديّ، فنتساءل مع صاحب استعارات الغريب "وأين كنت يا آدم حينما حدث كل ذلك؟... المقبرة خاوية الآن، هذه مدينة يهجرها الموتى".

النصوص حافلة بالإحالات التاريخية والدينية والفلسفية والأدبية، وذلك ما يجعلها ثريّة وعميقة ولكن بريشة فنانٍ يعيد رسمها من جديد شبه لوحاتٍ شعرية غنية بلغةٍ خصبة وخيال غضّ.

والدهشة التي تأخذنا في نصوص " استعارات الغريب" ليس الحديث عن هاجر ويوسف ويونس والحلاج وراشد حسين فحسب بل الحديث عن الأضداد، عن قابيل وابن نوح الباغييْن والشارديْن من كنف الله، والغريبيْن في الوقت نفسه، وكيف أن التاريخ أضاعهما ورماهما في الرماد والماء، فأنّى لنا أن نسمع صوتهما؟ وكأنّ الغريب يتحسّس الغريب يشتمّ عرقه ويصحو مع أنينه ويسترق السمع إلى وجعه حتى ولو كان من المنفيّين خارج حرم الإله الواحد؛ ليعيد سمير اليوسف  تشكيلهما بمخيلته الأدبية الفذّة إلى الحياة الطاهرة. فمَنْ منا سمع صوت ابنِ نوحٍ يصرخ "أنا ابنكَ يا نوح، خذني معك يا أبي..."!

قد لا يصحّ نسبة هذا الحديث إلى النبي محمد "طوبى للغرباء"، ولكن ماذا لو كانت أصواتُ الفيافي والمنافي والظلمات هي التي قالتْ لهم ذلك؟!

نقرأ سمير اليوسف ونصطحب معنا سفر التكوين، والقرآن والمعرّي وكافكا وكامي ونصطحب معنا هايدغر في فلسفة القلق والغربة والموت.

نصطحب في قراءتنا لاستعارات الغريب، العالَم الدينيّ برمّته وأصداء صرخات الأسرار الاليوزية: "هلاّ انحنيتم أيها الجموع؟ هل أحسستم بخالق هذا العالم؟"

أمّا سمير اليوسف فيقف أمام الجموع، ينشد صرخته الأخيرة:

"أنا الغريب

أتذكرون؟

...

اشحذوا سكاكينكم وهلمّوا إلى الذبح"!

معلومات الكتاب
اسم الكتاب: استعارات الغريب.. مدينة يهجرها الموتى
مؤلف الكتاب: سمير اليوسف