وطنٌ أخير بورقة يانصيب جديدة | الفوز طنجور

العدد 143 | 31 تشرين1 2013

كل ما أذكره من ليلة البارحة

أن أربع عشرة قذيفة هاون من عائلة واحدة سقطت على بيتهم

وقتلت خمسة ملاقط غسيل خشبية، وغطى اللون البني فسحة ضيقة من السماء

كل ما أذكره من ليلة البارحة

أني دفعت كل ما أملكه من ثلاثة أصدقاء على مئتين وخمس وعشرين ليرة منحطة تخون العِشرة

كل ما أذكره من ليلة البارحة

أن العَرق كسرني ثلثٌ مُعَطّل

وثلثين بحر أبيض متوسط

كل ما أذكره من ليلة البارحة

أنه على طريق البيت أوقفني بائع يانصيب وباعني وطناً أخيراً بورقة يانصيب جديدة

أو أنني اشتريت منه وطناً جديداً بورقة يانصيب أخيرة

كل ما أذكره من ليلة البارحة

أنها رمتني من على شرفتها بورود من الجوري الأحمر

سقطت على رأسي كما تسقط الأمم

كل ما أذكره من ليلة البارحة

أن الكرسي جلس عليّ

وشاهدني التلفزيون لساعتين متواصلتين بدون انقطاع وقلبني على أوجهي الأربعة

واقتلع من عينيّ كيف أنّ:

دجاجة أم صبحي دهست دبابة وطنية

وأنّ طفلاً بعمر الضوء، اغتصب نساء ستة ضباط مجاهدين في سبيل الله على طول الزمن المتبقي !!

وأن الفرقة الرابعة للموسيقى الملكية عزفت طوال ستة وعشرين شهراً ألحاناً متفرقة لملحنين مشهورين

وأن الشعب انتصر والجميع الآن يكبر مع الحبق

كل ما أذكره من ليلة البارحة

أن بلادي التي تنام في سريري يسمع شخيرها إلى الصين

بينما أولادي الأربعة الفارغين تشربهم تنكة حليب ممتلئة

كل ما أذكره عن ليلة البارحة

أني غداً خرجت لأشتري الخبز

ولم أعد حتى الآن.

***

 

لقطة عامة:

شارع بأضواء ملونة، وواجهات محلات غارقة في الحب

وغزل البارفانات، وفداحة المعصية

لقطة قريبة:

سلك كهربائي يُلف على اللحم الهش..

لقطة عامة:

المدينة العجوز..أصبحت تنام باكراً هذه الأيام..

الناس تهرول على أرجلها ودواليبها وحليبها

لقطة قريبة:

200 فولت

مجموعة لقطات متوسطة وقريبة:

سيخ شاورما

كأس ويسكي

أحد ما ينشل امرأة في عرضها أو في عرض الشارع 

تاكسي في الساحة العامة وأغنية ما لأم كلثوم

لقطة قريبة:

400 فولت يشير السهم الأحمر

لقطة متوسطة:

الأم تصلي في باحة الدار تحت شجرة ليمون أن يعود ابنها باكراً هذا المساء

لأنها أخيراً ستفاتحه بالموضوع..!

***

 

بيان رقم واحد:

أعلن أنا الذي لا يملك وطناً ولا جرس

و نكاية فيّ وبالنظام والمعارضة وبكل القوى الإقليمية والدولية والكونية

أنني ومنذ الآن سأعمل على مشروع تقسيمي الأوسطي الجديد إلى ذوات متعددة لكل منها طعم ورائحة ولون وعلم..!

ذوات متناحرة أحبها !

ذات ملحدة ماركسية

ذات أخونجية

ذات قومية

ذات سلفية

ذات حيادية إيجابية

ذات وطنية

ذات ثورية

ذات مندسة

ذات وزعتر..

لكل منها 

دار 

وغيمة

وفرس

وأعلن بأن الذات الفاجرة التي تسول لها نفسها بالتآمر على مصالحي العليا بأن أكون خارج حدودي الإنسانية ستكون عبرة للذوات الأخريات الصالحات..

في مقصلتي الشريفة التي اشتريتها من غرب محمد الماغوط شرق بردى..

وأقسم بأنني سأنشر عرضها على طولي.. من رأسي الفارغة إلى قدميّ الموحلتين..

وسأعيش سيد الذوات كبقية القادة الخالدين 

وسألعب بذواتي كل صباح ومساء لعبتي المفضلة

سايكس بيكو

سأهجّر بعضهم

وأسحل الآخر

وأسجن وأقتل وأشرد

سأجند بعضهم ضد بعض

ليلحق الخراب بهم مرة أخيرة

سأستخدم ضد ذواتي .. أضلاعي في الوطن

السكود والنابالم والقنابل العنقودية.. ولن يكون الكيماوي عندي خط أحمر

سأتنقل بينهم كما الغيم يقطع كسكين ظل الأشجار الواقفة

سأخيط بهم سنتيمتراتي القليلة

خارج الوطن

داخل الجرح.......................!

***

 

قنابل متفجرة من الشكولاتة الساخنة، 

الباتريوت الساتان ممشوق كقامة طفل في أول الحارة ينتظر أباه..

السكود بطعم المنغا والقبل الهاربة إلى المستحيل

القنابل العنقودية بطعم الكرز

والكيماوي.. أشهى المحرمات، أنبل الأسلحة الوردية، وخاتم قرابين الموت..

من منكم لا يتذكر دواليب الهواء الملونة؟

تركض في يد صبية نحو حضن دافئ للهواء؟

أمن أجلها كل ذلك الاحتفال؟!

***

 

سأشتري لابنتي دوشكا جديدة..

بعينين زرقاوين

ورموش طويلة

وقامة ممشوقة..

دوشكا أغيظ بها كل الأميركيين الذين رفضوا أن يبيعونا القمح..!

المهم أن تلعب ابنتي بها وتستمع إليها وهي تغني بلغة لا تفهم سوى الحب..

توينكل توينكل ليتل ستار..

دوشكا..تقف أمام البيت..أزين بها الحارة، وشكل الحياة..

دوشكا تقلع عيون الحاسدين وطويلي اللسان..

دوشكا لا تفنى 

ليلعب بها أطفال في الأرض وآخرون في السماء..!

***

 

أنا مواطن عادي أكثر أو أقل 

أكبر وأصغر، مضروب ومقسّم ومجموع ومطروح

أعلن وأنا بكامل الشتات واللجوء والشروق والغروب والهدوء والفجور

انشقاقي النهائي إلى 23 مليون حلم

إلى ملايين الأكف التي ترتفع في شَرف الهواء وتُصلي لننتصر

إلى ملايين من تشردوا

من خسروا وحدتهم

حلمهم بالحب وبالحياة

أعلن ومنذ اليوم أنني أصبحت غبار الرصاص

رائحة السكود والنابالم

خطاً أحمر للكيماوي

أعلن وبدون أي مواربة يسارية أو يمينية أو معتدلة

أنني نتفُ الغيم فوق قاسيون

ظلاً حراً للياسمين في الشام

جسراً جديداً في دير الزور

ساعة لا تتوقف في حمص

ناعورة تمزق وحدة العاصي

زعتر حلبي في فم طفل

عباءة لبادية

شجرة في خصر نهر

همهمة عجوز

ترنح قارب صيد

موجة هاربة من قفص البحر

أغنية ترقص على حل شعرها

بنت شفة..

..

وهذه هويتي..

لحظة من فضلكم!

الهوية..!

من زمان كانت بجيبي؟

يا ناس..يا بشر يا هو..الهوية..!

وين الهوية يا شباب؟!

***

 

أستيقظ فجأة على صراخ هذا البائع الجديد مع عربته المزعجة و طقطقة دواليبها المفزعة:

قوات مسلحة مصرية بطعم الكرز 

قطعة من حمص بطعم المنغا 

شام جديدة قطف اليوم

حلب حمراء عالمكسر

أصابع بغداد ريّانة وطرية  

فلسطين حلوة متل السكر

أردن كبيس

واحد لبنان ابن الموسم..فرط !

نظام وطني أصلي أوربي

نظام وطني شغل الصين

نظام وطني بلدي معتق شغل إيد بدون صابون

وطن مع حرية وبلكون ببلاش 

وطن ضيق ستريتش بدون حرية بدولار

خود اتنين بيطلعلك كمشة طائفية ملبسة 

....

يا سامعين الصوت..!

شرق أوسط طازج ..حلال..دبح اليوم

....

الحمد لله! أتحسس على الفيزا الجديدة الملونة والمطبوعة بإتقان 

على جوازي السفر..!

_____________________________

مخرج وكاتب من سورية

 

الصورة من أعمال الرسامة والمخرجة المصرية سلمى الطرزي

*****

خاص بأوكسجين