هل يعيش الأنبياء للأبد؟ | دايف إيغرز/ ترجمة: شادي خرماشو

العدد 174 | 1 حزيران 2015

- في البداية، أود أن أعتذر لك عن تصرفي هذا يا سيدي. لم أكن أرغب في إحضارك إلى هنا، لكن لم يكن أمامي حل آخر. 

- من أنت؟

- لقد التقينا من قبل، ولست واثقاً ما إذا كنت تذكر ذلك. لكن لا يهم كثيراً من أكون. لم أكن أنوي أبداً القيام بما قمت به، لكن الظروف اجتمعت لتجعل من هذا الفعل أمراً لا مهرب منه. رائد الفضاء الذي يقيم في المنزل المجاور لمنزلي كان يحدثني عما حدث معه، وعن المكوك الفضائي. وكنّا نتحدث عن القمر والمستوطنات الموجودة عليه، وعن أولويات الحكومة، وعندها خطر لي أن شخصاً مثلك لا بد أن يكون لديه الإجابات التي نحتاجها. وتصورت أنك ستمانع ولن تستجيب إلى طلبي بعد أن تقاعدت، لذا كان لزاماً علي أن أذهب وأمسك بك وأحضرك إلى هنا. 

- يا رب السماوات! 

- آسف مرة أخرى.

- هل تنوي أذيتي؟ 

- يسرني أنك طرحت علي هذا السؤال يا سيدي، وأبشرك بأنني لا أنوي أبداً إلحاق الأذى بك. أما الأصفاد فهي مجرد شكليات، ولا أقصد من وضعها أن أُشعرك بأنك شخص خطير لا سمح الله، خاصة مع هذا العجز الذي تعاني منه. لكنني مضطر إلى تقييد رائد الفضاء لأنه يستطيع قتلي إذا أراد ذلك، ولهذا وجدت أنه من الحكمة أن أقيدك أنت أيضاً. أما الأعمدة فموجودة في جميع الأبنية هنا، ولدي صندوق مليء بالأصفاد، لذا كان كل شيء معداً ومناسباً. 

- أنا لا أفهم شيئاً مما تقوله!

- في الواقع، الكلوروفورم سيُبقيك مشوشاً قليلاً لبعض الوقت. لكني أود أن أعبّر لك عن تقديري لشخصك الكريم، وإنه ليشرفني وجودك في منزلي، كما أنني أقدر لك الخدمات التي تؤديها للوطن، سواء كجندي أم كعضو في البرلمان. وهذا ما دفعني إلى أن أقدم لك الأريكة لتجلس عليها. هناك العديد من الأرائك المرمية في كل مكان. تراها ملقية في الشارع وكأن المكان قد تعرض للسطو. هل أنت مرتاح عليها؟ 

- كيف تمكنت من إحضاري إلى هنا بحق الجحيم؟ 

- يا سيدي، وأنا لا أقصد هنا أن أقلل من احترامك، لكن رجل في عمرك، وكما تعلم، في وضعك، أقصد، عذراً... بطرفين مبتورين... أقصد أن إحضار من مثلك إلى هنا أسهل بكثير من إحضار شخص كرائد الفضاء. 

- انتظر، ماذا قلت يا بني؟ هل تحتجز رائد فضاء معنا هنا أيضاً؟ 

- أجل يا سيدي، لقد ذكرت لك ذلك من قبل. لا تقلق، أنا لم ألحق أي أذى برائد الفضاء، كما أنني لا أنوي أن أمسّك بسوء. 

- اسمع يا فتى، تبدو لي شاباً خلوقاً ومحترماً. هل تدرك خطورة ما أنت فيه؟

- أدرك ذلك يا سيدي، أدرك ذلك تماماً. وأنا لا أستخف بفعلتي أبداً. لكن، كما قلت سابقاً، لم أرَ بدّاً من إحضار رائد الفضاء إلى هنا، وبينما كنت أتحدث إليه، خطرت لي كل تلك الأسئلة التي ما من أحد سواك يستطيع أن يقدم إجابات وافية عن معظمها. 

- كيف ذلك يا بني؟ أسئلة، أسئلة ماذا؟ 

- حسناً، كونك نائب في البرلمان... 

- أنت تدرك أنني توقفت عن مزاولة عملي في البرلمان. 

- أعلم ذلك، لكنك مكثت هناك لوقت طويل، وأنا واثق من أن لديك الخبرة الكافية للإجابة عن بعض الأسئلة التي تدور في ذهني. 

- وأنت أحضرتني إلى هنا لأجيب عن أسئلتك؟ ألم تسمع عن شيء يُدعى هاتف أو بريد إلكتروني أو أي وسيلة تواصل أخرى؟ 

- حسناً، معك حق، لكني خشيت أن يطول الأمر أكثر من اللازم لو اتبعت تلك الأساليب، خاصة بعد أن اختطفت رائد الفضاء، وقدّرت أنه ليس أمامي سوى فترة زمنية محددة قبل أن يُلقى القبض علي أو أن يكتشف أحد فعلتي أو يصيبني أي مكروه، لذا ارتأيت أنه من الأفضل لي أن أنجز كل شيء،  وأعرف كل ما أريد معرفته بضربة واحدة. 

- ولماذا اخترتني أنا دون سواي؟ 

- أجل يا سيدي، هذا سؤال منطقي. لكن كما قلت لك من قبل، بمجرد أن بدأ الحديث بيني وبين رائد الفضاء، قلت لنفسي، بالتأكيد لدى عضو البرلمان ديكنسون ما يقوله في هذا الشأن. كنت على علم بأنك قد تقاعدت من وظيفتك، وكونك قد تقاعدت، علمت أنه لم يعد هناك من يتولى حمايتك وحماية منزلك. 

- هكذا إذاً تمكنت من اختطافي. 

- في الواقع، أجل، وأرجو أن تتقبل أسفي مرة أخرى. أنا فعلاً لا أحب وقع كلمة اختطاف. 

- ألست الشخص الذي أتى إلى منزلي ليعيد توصيل أسلاك الهواتف؟ 

- نعم، كنت بحاجة إلى ذريعة لدخول المنزل، وكما ترى، نجحت الخطة. تصورت أن المهمة لن تكون صعبة، خاصة وأنت مقيّد هكذا إلى كرسيك المتحرك. كنت آمل ألا يكون أحد سواك في المنزل. وانتظرت لبعض الوقت إلى أن... أكانت تلك الفتاة ابنتك؟ 

- بل زوجتي. 

- آسف، تبدو يافعة جداً. حسناً إذاً، بالرفاه والبنين. هذا رائع. هذا لطيف. إذاً  كان علي أن أنتظر ريثما تغادر. منذ متى وأنتما معاً؟ 

- أنت شخص مختل ومجنون يا بني.

- لا، لست مجنوناً، على العكس. 

- بالطبع أنت كذلك. لكن عندما دخلت منزلي في ذاك اليوم، بدوت لي شخصاً أنيقاً ومحترماً، وقد تحدثنا عن مجموعة التسعة وأربعين. 

- إنه لعام جيد بالنسبة إليهم فعلاً، أليس كذلك؟ وأنا بالفعل شخص محترم وعلى خُلق. كل ما في الأمر أنني في وضع حرج الآن. هذا الصداع الذي أعاني منه يفسد علي حياتي، وأشعر أن الخنّاق يضيق علي كل يوم، والسقف يصبح كل يوم أكثر انخفاضاً وكأنه سيُطبق علي في النهاية. لكن البارحة، البارحة فقط، وأنا بصحبة رائد الفضاء، شعرت أنني على وشك تحقيق أمر ما. بدأت أتنفس بشكل أفضل. وعلمت أنك أنت وحدك من سيساعدني، هل يمكننا البدء الآن؟ 

- البدء بماذا يا بني؟ 

- لدي بعض الأسئلة. بمجرد أن أطرحها عليك ستصبح حراً. خاصة إذا كانت أجوبتك صادقة. وأنا على يقين بأنك ستجيب عن أسئلتي بصدق، فأنا كنت وما زلت معجباً بنزاهتك واستقامتك. ومن جديد أقول لك أنني ممتن جداً لما تقدمه من خدمات للوطن. كما أنني أدرك حجم التضحية التي قمت بها عندما قدمت اثنين من أطرافك فداءً للوطن في الحرب في فيتنام. 

- يا بني، أعلم أنك شاب مشوّش وضائع، وأنا أرغب بصدق في مساعدتك. وقد عرفت الكثيرين من أمثالك، وممن حالهم تشبه حالك، خاصة بعد أن عدت إلى أمريكا، لذا أعلم تماماً ما تعاني منه، وأفهم مشاكلك. صدقني، أفهمها تماماً. إذا كان هناك شخص في هذه الدنيا يفهم عقل الشباب والمشاكل التي تضيّق عليه وتشل تفكيره، فهو أنا. لكني أود أن أقول لك بكل صراحة إن ما تقوم به أمر غريب يبعث على الأسى، ومن الأفضل لك أن تتوقف عن تضييع وقتك في هذه التصرفات اليائسة، وأن تكف عن التفكير بهذه الخزعبلات التي تأكل رأسك. 

- لا لا، لا أتفق معك. 

- إذا غادرت الآن، وأخبرت السلطات عن مكاننا، سأحرص شخصياً على أن يتم التعامل معك بشكل رحيم، وأن تحصل على بعض المساعدة. 

- استمع إلي جيداً، كل المساعدة التي أحتاجها موجودة عندك. وإذا تعاونت معي، أكون قد حصلت على كل ما أنا بحاجة إليه. أنا لا أحتاج إلى علاج أو دواء. أحتاج فقط إلى أجوبة عن أسئلتي. 

- أي نوع من الأسئلة يا بني؟ 

- ليست أسئلة صعبة على الإطلاق. أسئلة تتمحور حول قضايا أساسية. أنا متأكد من أن الأجوبة موجودة عندك. 

- .... 

- جاهز؟ 

- يا للجحيم! 

- عظيم. 

- دعنا ننتهي من هذا الأمر. 

- حسناً حسناً. سؤالي الأول، والأساسي، هو: لماذا لم يسافر صديقي كيف بيشورك إلى الفضاء؟ 

- عذراً؟ 

- الشخص الذي يسكن في المنزل المجاور لمنزلي... إنه رائد فضاء. 

- وهل اختطفت صديقك؟ 

- لقد سار كل شيء كما خططت له، وتوضحت الصورة بالنسبة إليه.

- ما هو هذا؟ 

- أعرفه منذ خمسة عشر عاماً. أنا وهو نفهم بعضنا البعض جيداً. وعندما كنا في الجامعة معاً، نظر إلي في أحد الأيام وقال: يوماً ما سأصعد إلى الفضاء على متن مكوك فضائي. قلت لنفسي حينها هذا هراء، وحلم مستحيل. لكنه بعد ذلك بدأ يقترب رويداً رويداً من تحقيق ذلك. لقد تجاوز كل العقبات. كان كقديس ملعون في سعيه إلى هدفه. مشى على الماء، وحوّل الماء إلى نبيذ. فعل كل ما يخطر في بالك. نفّذ كل ما طلبوه منه. انضم إلى البحرية، والمعهد التقني في ماساتشوستس، وحصد الشهادات العليا. يا رجل، إنه يتحدث الأوردو بحق الجحيم. كل هذا في سبيل تحقيق حلمه بالصعود على متن المكوك الفضائي، أو ربما السفر إلى إحدى المستوطنات على سطح القمر. وبعد ذلك باثني عشر عاماً أصبح رائد فضاء. ولم تكد تمر أشهر قليلة على ذلك حتى ألغوا فكرة المكوك الفضائي، وقطعوا تمويل كافة نشاطات جمعية الناسا، وبدلاً من تحقيق حلم حياته، ها هو الآن ينتظر دوره ليصعد ربما على متن صاروخ روسي صدئ ليطير إلى إحدى المحطات الفضائية المتعفنة المليئة بالمخنثين. 

- يا بني، هل اختطفتني لتحكي لي عن المكوك الفضائي؟ 

- في المقام الأول، نعم. 

- يا رب السماوات!

- كان كيف يقول إنه سيصبح رائد فضاء، وفعل كل ما طُلب منه ليصبح رائد الفضاء الذي حلم بأن يكونه. لكن كل هذا الآن لا يعني شيئاً. هذا أسوأ ما يمكن أن يحدث، وكأنهم يقولون للجيل أو الجيلين القادمين إن خط النهاية الذي عليكم بلوغه هو هذا، ولكي تصلوا إليه عليكم أن تفعلوا كذا وكذا. لكن بعد ذلك، عندما يصلون إليه، يغيرون مكانه... 

- فقط لأفهم الأمر جيداً، هل تقول لي الآن إنني أنا من فعل ذلك يا بني... أنا من أزاح خط النهاية وغير مكانه؟ 

- أعتقد أنك كنت في منصب يتيح لك على الأقل المحافظة على موقع خط النهاية. 

- أنت تراني وأنا جالس أمامك، تراني أليس كذلك؟ ألا ترى أمامك شخصاً فقد اثنين من أطرافه؟ أتظن ان شخصاً ينقصه اثنان من اطرافه، وإبهام فوقهما، وكلها ذهبت ضحية حرب تافهة مع بلد أجنبي، أتظن أن شخصاً مثل هذا هو جزء من ماكينة صنع القرار التي تتحكم بالبلاد والعباد؟ أتحسبني عدوك الذي يجب أن تقتص منه؟ 

- إذاً لماذا كنت في البرلمان إذا لم تكن جزءاً من تلك الماكينة؟ 

- كنت جزءاً من البرلمان لأحاول أن أصحح المسار أيها الأحمق! لماذا بحق الجحيم كان ثمّة نصف دزينة من محاربي فيتنام القدامى في الطرف الديمقراطي من الحكومة في سينيت وهاوس برأيك؟ كان على أحدهم أن يتحدث ببعض العقلانية في ذاك المكان. 

- بالمناسبة، كيف حدث ذلك؟ أدرك أنني يجب أن أعرف، لكنني لا أعرف.

- كيف حدث ماذا؟

- ما حدث لساقك وذراعك؟ وأرجو أن تغفر لي فظاظتي؟  

- لا أعتقد يا بني أنه ممكن لأحد أن يخلط بينك وبين شخص يتحلى بالكياسة واللطف. قبل أن أحكي لك القصة، يجب أن أسألك ما إذا كنت قد جلبت معك أياً من أدويتي؟ أنا بحاجة لها من أجل أرومات أطرافي المبتورة، وتنظيم ضربات قلبي. 

- جلبت معي ما استطعت. لم يكن لدي الكثير من الوقت. هي موجودة في الحقيبة التي خلفك. أحضرت أيضاً الزجاجة التي كانت قرب السرير. وقد فاجأني أن رأيت زجاجة من مشروب الجِن قرب سريرك. لقد بدا لي ذلك أمراً مطروقاً نوعاً ما: طبيب عجوز يشرب ليتمكن من النوم. 

- أنت الآن تتصرف بفظاظة ووقاحة. هذا ليس من شأنك يا ولد. وعثورك على زجاجة مشروب قرب السرير، لا يعني بالضرورة أن الشرب من عادتي أو طقس من طقوسي اليومية. 

- حسناً حسناً. 

- حتى أنني لا أعلم لماذا أبرر لك؟ 

- معك حق. لست مضطراً إلى ذلك. ليس هذا سبب وجودك هنا. وأنا على جميع الأحوال أتفهم ما إذا كنت بحاجة إلى شيء يُعينك على النوم. ما كان علي التطرّق إلى ما تفعله في حياتك، فما عانيته في حياتي يُعتبر نزهة مقارنة بما قاسيته أنت، وأنا نفسي ألبث في السرير 11 ساعة لأنام ست أو سبع ساعات، لهذا من غير المنصف أن أحكم عليك. 

- شكراً، هذا يبعث على الراحة. 

- لا شكر على واجب. 

- يا بني، أهذا ما تعتبره في تفكيرك مكافئاً لما نسميه تواصل؟ 

- اسمعني جيداً، أنت تتعامل معي الآن بنوع من التعالي، وأنا لا أحبذ أن تستخف بي بهذا الشكل. هل تعتقد أنني أقل منك منزلةً لأنني لم أشارك في أي حرب. لأنني لم اخدم في صفوف الجيش، ولأنني نشأت في وقت السلم، ولم يكن علي أن أحارب كما حاربت أنت؟ 

- لا، أنا لا أفكر بهذه الطريقة.

- بلى. 

- أتعتقد ذلك؟ 

- أجل، لقد نشأت قرب هذه القاعدة يا سيدي، ووالدي كان مقاولاً هنا. وأنا متأكد جداً من أنني كنت سأصبح أحسن حالاً، وكل من أعرفه كان سيصبح أحسن حالاً لو كنا جزءاً من صراع عالمي كبير. ثمة قضايا تستحق التضحية وترفع من شأن من يضحي لأجلها. 

- وتظن ان حرب فيتنام كانت هكذا؟ 

- لا... حسناً، ليس بالضرورة. 

- إذاً ما الذي تتحدث عنه بحق الجحيم؟ هل تعلم حجم الاضطراب والخلل النفسي الذي عاد به معظم من شارك في حرب فيتنام؟ أنت محظوظ أيها الملعون لأن والدك لم يشارك في الحرب. هل كنت تريد أن تكون جزءاً من هذا الصراع؟ 

- لا لا، ليس هذا الصراع بالتحديد. ما عنيته هو...

- ما تتمناه في الحقيقة هو أن تكون جزءاً من صراع مبهر يحدث داخل إحدى ألعاب الفيديو... صراع هدفه نبيل وأخلاقي وواضح ولا خلاف عليه. 

- أو شيء آخر. شيء آخر يجتمع الكل فيه على وحدة الهدف والتضحية المشتركة. 

- انظر يا بني، إقدامك على اختطاف الناس وتقييدهم إلى أعمدة منزلك هو دليل كافٍ على أنك شخص مضطرب ومشوش. لكن ما رأيته منك في الواقع يشي بأن وضعك أسوأ من ذلك بكثير، أنت شخص يعاني من مشاكل عقلية خطيرة. في لحظة تراك تشتكي لأن صديقك رائد الفضاء لم يتمكن من الصعود على متن سفينة فضائية حديثة، وفي اللحظة التي تليها أراك تقول أنك كنت تتمنى لو تم تجنيدك في صفوف الجيش. لا يوجد شيء مما ذكرته مرتبط ببعضه. ما الذي أوصلك إلى ما أنت عليه الآن؟ 

- لا أعرف، في الحقيقة، أعتقد أنني لا أعرف. هذا لأنه لم يحدث شيء معي. وأعتقد أن هذا سببه إهمال من طرفك. كان يجب عليك أن تجد لي هدفاً ما. 

- من كان يجب أن يجد لك هدفاً؟ 

- الحكومة. الدولة. أياً يكن، لا أعرف. لماذا لم تقل لي أنت ما الذي يجب علي فعله؟ هم قالوا لك ما الذي يتوجب عليك فعله، وأنت ذهبت وحاربت وضحيت ومن ثم رجعت وأصبح عندك مهمة وهدف... 

- هل تعلم كيف فقدت اثنين من أطرافي يا بني. 

- لهذا كنت أسألك من قبل. افترض أنك كنت تحاول أن تنقذ حياة الأبرياء، لقد حصلت على نجمة برونزية و... 

- لا لم أنقذ حياة أحد. بل كنت أتناول غدائي.

- ماذا؟ غير معقول! 

- فقدت اثنين من أطرافي لأنني كنت أتناول غدائي قرب أحد الحمقى الذي لم يؤمّن قنابله. 

- هذا شيء لا يمكن تصديقه. 

- استمع إلي، كنت وحيداً أتناول غدائي. كان هذا الفتى قد جاء لتوه من مسيسيبي، وكان ولداً أحمق لديه طاقة زائدة. ظن هذا المعتوه أننا صديقين، ورأيته يتجه مهرولاً نحوي متظاهراً بأنه أيل يحاول أن ينطحني... يعني واحد من تلك التصرفات الحمقاء التي يقوم بها شباب هذه الأيام. وقعت قنبلة من بذته العسكرية، وكان مسمار الأمان منزوعاً من مكانه، وتدحرجت مباشرة إلي واستقرت عند قدمَي. لم يكن لدي وقت كافٍ إلا لأدير رأسي بعيداً عندما انفجرت. تلك كانت لحظة وحدة الهدف والتضحية المشتركة التي فرّقتني عن اثنين من أطرافي. 

- هذا محزن. 

- أجل إنه لمحزن. ولهذا عندما عدت عملت جهدي أن أخاطب عقل كل من يغريه حمقه بالذهاب إلى بلد ما في الجانب الآخر من العالم ليحول رغبتنا في السيطرة إلى فكرة ظريفة، والمشكلة الأساسية في فكرة ظريفة كهذه هي أن خططنا تُنفّذ على يد مجموعة من الفتيان اللذين لم تتجاوز أعمارهم التاسعة عشر بعد، والعاجزين حتى عن ربط أشرطة أحذيتهم بأنفسهم، والذين يظنون أنه من قبيل التسلية واللعب أن يركض الواحد منهم ويلعب ويقفز بكل بلاهة وهو يحمل قنابل غير مؤمنة كما يجب في بذته العسكرية. الحروب وضعت القنابل والأسلحة في متناول شبان صغار، كما وضعتهم على مقربة من مئات الأشياء التي تفتح أمامهم السبل للتسبب بمآسي وكوارث جماعية. أصبح عدد الرجال الذين يتسببون بالموت لأنفسهم في الحرب أكثر بكثير ممن يُقتلون بنيران أعدائهم. 

- أظن ذلك. 

- هل تدرك الفرق يا بني؟ 

- أعتقد ذلك. 

- لأنني أنظر إليك فأرى شخصاً لا يمكن أن يؤتمن على علبة كبريت. أرى ولداً رأسه قُدّ من حجر، وهناك مئات الآلاف من الشبان أمثالك في الصحراء الآن، ولا عجب أنهم يقتلون المدنيين ويغتصبون رفيقاتهم من الفتيات اللواتي يخدمن في الجيش ويطلقون النار على أرجلهم بأنفسهم. لا أقصد أن ألطخ سمعة هؤلاء الشباب، ذلك أنني أعلم أن النسبة الكبرى منهم يشكّلون ملح هذه الأرض، ما أقصده هو أن هؤلاء الشبان يجب أن يوضعوا بعيداً عن الأشياء الخطرة. يجب أن يبقى الشباب بعيداً عن المسدسات، والقنابل، والنساء، والسيارات، والمشروبات الكحولية قوية التأثير والآلات الثقيلة. لو كان القرار في يدي لكنت جمّدتهم حتى يأتي الوقت الذي نتأكد فيه أنه قد أصبح باستطاعتهم عبور الشارع دون التسبب بكارثة وطنية. معظم من خدمت معهم كانوا في عمر التاسعة عشر. أراهن أنك عندما كنت في التاسعة عشر لم تكن تعرف كيف تركن سيارتك بشكل صحيح بعد.  

_______________________________

الفصل الثاني من رواية "أين هم آباؤك وهل يعيش الأنبياء للأبد" - إصدار "هاميش هاميلتون" 2015

الصورة من الأعمال الفوتوغرافية للكاتبة الليبية نجوى بن شتوان

*****

خاص بأوكسجين