نحنُ كما الله.. لن نفسّر | هاني نادر

العدد 160 | 18 تشرين1 2014

كفى! 

لا تضيّعوا وقتَكم أنصحكم..

وفّروا جهودَكم، كفاكم بحثاً، لن تجدوا تفسيراً لنا صدّقوني!

حلّلوا وحرّموا أي شيء، اصنعوا إنساناً يطير، و سلحفاةً ترتدي "البيكيني"، اجعلوا النّملةَ تنطق، بلّطوا البحر، اسقفوا السّماء، لكن اتركونا، فلا تفسير لنا، لا معادلة ولا معايير وأحكام تعلّلنا.

نحنُ كما الله، كما الله لا نُفَسَّر.

حدثَ في خريفِ  1782، كنتُ حينها شابّاً في مقتبلِ العمر،  والدي كان ما يزال يد الله اليمنى، وكانت الملائكة تعمل على تكوين أمي، ولم تنتهِ حتّى الآن و لن تنتهي. أخي كان وطناً، قبلَ أن يدمّره العرب، ويتحوّل دخاناً ويطير في الهواء و يدخلُ بيتَنا ويصبحَ منّا. 

كنتُ متمدّداً على ورقةِ شجرة كدودةِ أرض، كانت هي حينها طفلةً تلهو في حديقةِ منزلِها، لتسقطَ الورقةُ الصّفراء و أسقطُ معها و أًصطدمُ بعينِ حبيبتي الطّفلة، فتفركُ عينها و تذرفُ دمعتين، دمعتها الثّانية أسقطتني أرضاً، والورقةُ تهادت مع الريح إلى أن غطّتني بالكامل، فلم ترَني، ورحلَتْ و هي تجهلُ من أدمعَ عينيها.

في شتاءِ "1907"، حصلْتُ على وظيفةٍ في الغابة، عملتُ "غراباً" طيلةَ الشّتاء، لكن للأسف كانت هي قد استقالت من عملها كـ "ليل". 

بعد أن جلبتُ آخرةَ كلّ سكّانِ الغابة، قرّروا طردي، فبحثتُ عنها في كلّ وظائفِ الطّبيعة ودوائرِها الحكوميّة، لم أجدْها، كانت بدورِها تبحثُ عني، و لم تجدْني.

في ربيعِ " 2042 "، كنتُ "شوكة" مستلقية تحتَ وردةٍ أستمتعُ بفيئها، اقتربَتْ هي وقامتْ بقطفِ الوردة، فجرحْتُ إصبعها، فغطاني دمها وانسكبت قطراتِه في عيني، كدتُ أختنقُ وأغرق، ممّا منعني من رؤيتها، و اكتفتْ هي بمسحي بمنديلها، و رحلَتْ و لم تعرفْني قَطَّ.

في صيفِ "2740" كنتُ قد توفّيت غرقاً، و صرتُ بحراً.

أمّا هي فقد كُتِبَ لها الخلود، و صارَت شمساً.

كلمّا غضِبتْ منّي تبخّرتُ و أصبحت غيماً.

و كلّما نظرْتُ إلى أعلى، منعني وهجُها من رؤيتِها.

وفي غروبِ اليوم، كما كلّ يوم، تجتمعُ كلّ مخلوقاتِ الأرض على الشاطئ تشاهدُنا، وتنتظر..

إن كنّا سنلتقي هذه المرة.. أم لا..

نحنُ كما الله يا صغيرتي، لن نُفَسَّر..

و لن نندثر..!

فجمالُ الله في غموضِه يا حبيبتي..

جمال الله في غموضِه!

_________________________________

كاتب من سورية

 

الصورة من أعمال السينمائي والفنان التشكيلي السوري رائد زينو

*****

خاص بأوكسجين