منظار للرغبة | عزيز أوشن

العدد 197 | 22 آب 2016

اعتدت السكن في حي مظلم لم تصله الكهرباء بعد، حيث يبدو عندما يهبط الليل كأطراف منديل محروق، والسيارات لم تبتعد في شبهها عن القطط المسترخية فوق الأسطح الدافئة. لا يسمع سوى هدير المكيّفات المتراصة على طول المباني رفقة صمت يشبه الخوف، لا شيء أكثر من هذا: فقط صمت يشبه الخوف!

كانت شقتي في الطابق الثاني، ورغم سعة الحمام المتفوق على سعة باقي الغرف إلا أنني كنت أجلس في مخزن يقع في نهاية الشقة، أي في بدايتها بالنسبة إلي، وإن اردت في بعض الأحيان الشعور بالألفة، اقنعت نفسي انها تقع في الوسط. كان المخزن ضيًق للغاية، يشبه عينين مغمضتين، ذو جدران من الخزف-وعندما أقول الخزف ليس بالضرورة أنني اشير للترف- ذي الألوان البنية الغامقة والخضراء، مربعات صغيرة تشكل مربعات متوسطة الحجم، وفرش بني فاتح، لا أستطيع ان أنسى تلك اللحظة التي أدركت فيها ان ذلك المخزن باحتوائه على تلك الألوان، يشبه إلى حد كبير قيء حساء بالخضار.

كان هناك نافذة بعيدة أعلى الجدار، ولم يكن من السهولة بمكان الوصول إليها. في الجهة المقابلة، بناية مربعة الشكل، مكونة من أربعة طوابق، تشغل الطابق الثاني منها عائلة هندية مكونة من أب وأم وفتىً في العشرين وفتاة صغيرة أحسبها في الثامنة. كان الفتى يقف دائما على شرفة تطل على الشارع أيضاً، وفي كل مرة أطل فيها من النافذة كنت أراه. كانت ملامحة واضحة، ليس لبروزها ولا لحدتها ولكن لم يميًز ملامح الهنود من حواف سوداء تحيط بأعينهم، رؤوس مناخيرهم وحوافها، وأطراف شفاههم. في عمر الرابعة والعشرين، كان لدي ميول جنسية لبني جنسي، الجنس الآخر كان كالأيقونة الدينية، لا أعرف لم كنت أشعر ناحيتهن بهذا الشعور، بل أشعر بهن بداخلي كرمز قبيلي، وكنوع من التمرد بدأت بكرههن والابتعاد عنهن بقدر المستطاع، مع ما يعتمر بداخلي من رغبة قاتمة للاقتراب منهن، رؤيتهن محادثتهن بطريقة مشوقة وحارقة، كن في قلبي مثل حرارة ندبة على الشفاه.

 

عزمت على شراء منظار حتى تتسنى لي رؤيته عن قرب، وفي المرة الأولى التي رأيه فيها عانقت عيناي جلده البني، وشعرت بجلده طريا كطراوة رغيف حار، وخديه مع امتداد عنقه كانا خلابين كليلة صيفية هادئة، عيناه كمن أشرف على المرض، ذابلتين ولكنهما عندما تتحركان في الأرجاء تكونان لاهثتين. لم أقع في غرامه، ولكني وقعت في رغبة بليدة، رغبة أن ألمس جلده أن أضغط بأصابعي عليه، تلك كانت رغبتي! ورغبة كتلك كانت تجعلني أرغب في لحس جلدي.

رحت أراقبه طيلة اليوم، مطلاً برأسي كقرصان يرقب الجزيرة الموعودة، ومع الوقت بدأت قدماي بالتنمُل من فرط الوقوف، فأخذت طاولة صغيرة ووضعت فوقها كرسيا وبدأت اقضي معظم وقتي جالساً هناك أتأمله بتمعن، بينما ملامحه ساكنة لا تتغير. ورغم ارتياحي النسبي بشأن وضعي هذا، اكتفيت بالمراقبة وبدت أي محاولة للاقتراب منه غير مجدية. بدأت الرغبات تتدافع في داخلي، ورحت أتخيل ممارسات معه، كأن أقبل فمه، ألحس رقبته، وملامسة حلمتي صدره، ومداعبة شعره الكثيف. كان حرماناً قسرياً ما عشته حينها، متفرغاً لهذا الجسد النحيل.

لم أنهِ كتاباً منذ تخرجي من الجامعة، قراءتي متواضعة خجولة وأكلي قليل خبز وزيتون في الغالب، أقضي الكثير من الليالي على تلك الوجبة، و"اللاطمأنينة" لـ "بيسوا" أضعه بجانب سريري، افتحه لأنظر رقم الصفحة فقط وأعيده إلى مكانه، ما زال ذلك الرقم مطبوع في رأسي إنها الصفحة 88 التي تحمل نص "ملوك الواقع، ملوك الحلم" يبدأ بجملة "ما يدهشني أكثر من غيره ليس هو البلادة التي يحيا بها أغلب الناس حياتهم: وإنما الذكاء الموجود في تلك البلادة" ولكنني لم اعش حياة بليدة، بل كنت أعيش حياة لا مبالية. كنت حينها أعمل في فرع لاستلام الطرود يستغرقني الوصول إليه خمس دقائق.

كنت أراقب الفتى طالما هو موجود، وان لم يكن متواجداً ارقب مجيئه. ولم يكن لدي خيار آخر وسط تلك الرغبة العمياء، والآن أستطيع القول أنني كنت أخدع نفسي، كنت أعتقد أنني أشتاق إليه، لم أعِ تماما أنني كنت فقط أشتاق لرغبتي به. كنت أمارس العادة السرية وأنا أرقبه، وعوضا عن التخفيف من تلك الرغبة التي أصبحت مع الأيام جافة، كنت أزيد من عبثيتها وكأنما يأمرني هو بالغوص أكثر في عناق أبدي مع تلك الظلمة الخانقة. كنت أنساق إلى جموح متوتر ليس له من المشاعر السماوية مقدار دمعة واحدة، يدي اليمنى على قضيبي واليسرى تحمل المنظار، لم يكن المنظار ضرورياً فقد كنت أغمض عيني وأبدأ بالتخيًل: لم أنكر – حتى الآن- بأنني شعرت بأنه أكثر صفاوة في مخيلتي كانعكاس خد الشمس على بركة نظرة، أمسد شفاهه المختنقة وسط وجهه لكأنها رقبة محشورة بحبل مشنقة، جسد مرمي إلى الخلف، إلى الأمام، أكثر شبها بانسكاب الضمير الحي تجاه العاطفة عنوة. لم أعهد أن أحمل لنفسي عاطفة، لم أكن بذلك الشخص المطمئن في داخلي بل كنت شرسا ومتعنتا، ولم أتعامل تجاه وجودي برهافة مطلقا، وذلك على العكس مما كنت أكنه لذلك الفتى. منذ البداية، لقد رضيت بأن ينسكب ببطء، فبات أكثر ليونة من وجودي بالكامل.

مضى أسبوع لم أره فيه، ما يعني أسبوعاً كاملا أجلس على كرسي موضوع فوق طاولة صغيرة وبيدي منظار. كانت عادة استمرت مدة شهر، مما يعني أيضا إستمرار فعل مشوق لكنه مدفوع بالبلاهة ولا أعرف ماذا أيضا. بدأت أنسحب، ليس من المكان ولكن من تلك الحاجة العميقة للنظر، أستطيع الآن أن أميز تلك الحاجة، لم تكن شيء سوى حاجة لالتقاط شيئا منه، شيء ثمين شيء من الممكن أن يحدد وجوده، كنت أستلب شيئاً معيناً منه، ولا أستطيع أن اقول أنني نجحت، ولكن باستطاعتي أن أقول أنني مررت بتلك اللحظات المشرقة من بداية فجور معين. وأيضا، عرفت الشعور الذي ينتاب المرء عندما يرقب بحذر ومتعة فائقة شخصاً آخر، وخيًل إلي أنني أرقب شخصاً يمسد شاربي الظلمة بيدين سمراوين وأظافر بيضاء. لمحت في أكثر من مناسبة خروج عائلته الصغيرة ولم يكن بصحبتهم. وحينها لم تنتابني تلك الرومانسية الخانقة، شخص كان موجود، اعتدت على رؤيته وعكفت على تحديد ماهية مشاعر معينة، وهو الآن لم يعد موجوداً، اختفى أو مات إنه لا شيء. خرجت من تلك الفترة بأشياء محببة جدا، جلسة مريحة وكرسي موضوع على طاولة، أستطيع الآن أن أشعر بالهواء الرطب أكثر.

*****

خاص بأوكسجين

كاتب من السعودية

معلومات الصورة
اللوحة من أعمال الفنان الفرنسي مارسيل دوشامب (Marcel Duchamp)