ملكوت الروائي | علي عبدالله سعيد

العدد 147 | 9 آذار 2014

في الرواية الموغلة في التوصيف.. ما كان يشغل أذهان الأجداد كثيراً، حتى في اللغة اليومية للأيروتيك.. هو المرأة الرعادة. أي التي لها صوت الرعد وتأثيره ورهبته في المواقعة والمباضعة والمجامعة. مفردات تثير ضحك ديدي في تلك الحديقة من الزهر التي لأول الربيع في نيسان. حيث رذاذ من المطر الشهي، يجعد شعرها الأشقر. أو الذهبي حتى لتبدو وكأنها ليست أكثر من فاتنة فاجرة من الغجر، تتسول جنساً طارئاً من أولئك الحمقى بين المقاعد الخشبية، الحجرية، الذين يفتنهم مثل هذا الرذاذ. لم يكن الجنس الطارىء مبذولاً بكثرة على تلك المقاعد. ولا بين خصى أولئك الرواد القلائل. غير أنها تطلق العنان لمخيلتها لما هو أبعد من ذلك. خيال ديدي.. ومخيالها إضافة الى ما يخصها وحدها.. رعاداً، ولا يمكن اللحاق به.. إلا بعد أن يتوقف المطر.. مطره الذي كثيراً ما يشبه الوابل. إلا إذا أدركت وسلمت أن مصيرك المناسب هو قعر الهاوية.. وليس حافتها. أن تكون على الحافة، هذا يعني أن أمامك فرصة ما للنجاة من الهوس، من الهذيان، أما أن تكون في قاع الهاوية في قعرها، هذا يعني أن ديدي استهلكتك هوساً، جنساً، وهذياناً. إلا أنها قد تعدك.. بأن يكون ذاك الإستهلاك رحيماً إلى حد ما. أي أن ما يخصها قد يكون وعاداً أبداً بتلك المتعة، بذاك الموت، ثم بتلك المتعة. وليس رعاداً بذاك الإستلاب الحيواني. تهرب من أن يكون خاصتها.. خصاءً للراوي.. الذي يكذّب الأجداد، ويسخر من مخيالهم في اللغة الجانحة للمرض. إذ.. يعرب لديدي عن أسفه بعد تجاربه المتعددة عن كذب الأجداد، المرجح أنهم كانوا رعاديداً.. وليسوا رعادي أوصال نساء. إذ.. أنه لم يسمع صوت رعد يفز من بين فخذي أي أنثى جربها، أو باضعها، أو واقعها رغبة أو قهراً. ثم كي لا تدفع بك الى الهرب، على طريقة تلك السلالة من النساء اللواتي يملن إلى الانتقام من تلك الخصى اللعينة التي لذكور أرحم منهم ذكور الحيوان. ربما من عقدة الخصاء تلك كانت ديدي تعاني من اضطهاد الذكور لها تباعاً بالضرب والاحتقار، وتوصيفها على أنها عاهرة العاهرات، التي لا تعرف حداً أو حدوداً حتى لو كانت هلامية لاحترام الآخر. لم تكن ديدي تهتم بالأجداد فكراً أو تراثاً أو موروثاً. بل كانت تعتبرهم نوع من الهراء اللغوي، إيغال في الهرطقة والكذب، وتجب القطيعة معهم، مع ذاك الهراء، أو اللغو، لا هم بنوا سلوكاً في الأيروتيك، ولا هم بنوا سلوكاً في الحضاري اليومي. همج شقوا التاريخ، وثبتوا أقدامهم فيه ككتل من الهمج، أو الجمال المتخلفة، التي على الكائنات أن تحذر هياجها.. لا غضبها. هل كانوا رعادين فعلا لأوصال المرأة التي يضاجعونها في تلك الخيمة القميئة؟ أو على ظهر ذاك الجمل، أو الكثيب، الذي في عين الظهيرة؟ وهم على أهبة التحفز والتوفز كقطاع طرق، لا.. ككائنات تأبه بالحالة النبيلة التي يمكن لها أن ترعد في شرايين المرأة، التي لم تكن تشكل لهم سوى فائض قيمة بشرية، هدفها الأساس امتصاص فورانهم الجنسي السريع. كما لو كان هبة ريح ساخنة أو باردة في تلك الصحراء اللعينة من الماعز والغنم والإبل 

_____________________________________

روائي من سورية

الصورة لفنان الغرافيك الإيراني رضا عابديني

*****

خاص بأوكسجين

روائي من سورية. من رواياته "اختبارالحواس" 1992 و"براري الخراب" 2000

مقالات أخرى للكاتب

8 تشرين2 2015