مسوّدة الماضي | فرجينيا وولف | ترجمة: أسامة منزلجي

العدد 193 | 20 حزيران 2016

[1]

قبل يومين – الأحد في السادس عشر من شهر نيسان عام 1939 على وجه الدقّة – قالت نيسّا إنني إذا لم أبدأ بكتابة مذكراتي فسوف أجد قريباً أنني لم أعد قادرة لأنني أصبحت عجوزاً جداً. سوف أُصبح في الخامسة والثمانين، ويطويني النسيان – اتّعظي من حالة الليدي ستراتشي التعسة[2]. ولما كنتُ قد مللتُ كتابة قصة حياة روجر[3]، فربما أقضي صباح يومين أو ثلاثة أضع مسوّدة. هناك عدد من الصعوبات لتنفيذ ذلك. أولاً، العدد الهائل من الأشياء التي يمكن أنْ أتذكّرها؛ وثانياً، عدد السُبُل المتنوعة التي يمكن بها كتابة المذكرات. وبما أنني قارئة بارزة للمذكرات، أعرف العديد من السُبل المختلفة. ولكن إذا بدأت بالخوض فيها وتحليلها وإبراز مميزاتها وعيوبها، فسوف يمضي الوقت دون أنْ أكتب شيئاً – لا أستطيع أنْ أستعرض أكثر من اثنين أو ثلاثة على الأكثر. لذلك ودون أنْ أتوقف لأختار طريقي، لعلمي المؤكَّد بأنه سيجد نفسه بنفسه – ولا يهم إذا لم يفعل - أبدأ الذكرى الأولى:

   إنها عن أزهار حمراء وقرمزية على خلفية سوداء – ثوب أمي؛ وكانت جالسة إما في قطار أو في حافلة، وكنت على حجرها.لذلك رأيت الأزهار التي كانت تضعها عن قُرب؛ وأعتقد أنني لا أزال أرى ألوان القرمزي والأحمر والأزرق على الخلفية السوداء؛ لعلها كانت شقائق النعمان. ربما كنا ذاهبتين إلى سينت أيفز؛ والأرجح، لأنه من نوعية الضوء لابد أنّ الوقت كان مساء، كنا عائدتين إلى لندن. ولكن من الملائم أكثر من الناحية الفنية أنْ أفترض أننا كنا ذاهبتين إلى سينت أيفز، لأنَّ هذا سوف يؤدي إلى الذكرى التالية، التي بدورها تبدو أنها الذكرى الأولى عندي، وفي الحقيقة هي الذكرى الأهم من بين ذكرياتي كلها. وإنْ كانت للحياة قاعدة تستند عليها، إنْ كانت وعاء يملأه المرء ويملأه ويملأه – فإنَّ الوعاء يستند دون أدنى شك على هذه الذكرى. إنها عن كوني شبه نائمة، وشبه يقظة، على سرير في غرفة الحضانة في سينت أيفز. إنها عن سماع تكسُّر أمواج، واحدة، اثنتان، واحدة، اثنتان، ونشر رذاذ الماء على  الشاطئ؛ ثم تنكسر، واحدة، اثنتان، واحدة، اثنتان، خلف ستارة صفراء. إنها عن سماع الستارة وهي تجرّ ثمار البلوط الصغيرة على الأرض عندما تهب الريح على الستارة. إنها عن استلقائي وسماعي ذلك الرذاذ ورؤيتي لذلك الضوء، وشعوري، بأنه من المستحيل تقريباً أنْ أكون هناك؛ عن شعوري بأنقى نشوة يمكن تصورها.

   في وسعي أنْ أقضي ساعات أحاول أنْ أكتب ذلك كما ينبغي أنْ يُكتَب، لكي أعبر عن الشعور الذي حتى في هذه اللحظة قويّ جداً داخلي. لكنني سأفشل (إلا إذا حظيت بحظ رائع)؛ بل أجرؤ على القول إنني لن أنجح في الحصول على ذلك الحظ إلا إذا بدأتُ بوصف فيرجينيا نفسها.

   ها قد وصلتُ إلى إحدى المصاعب التي يواجهها كاتب المذكرات – أحد الأسباب الذي يجعل معظمها، على الرغم من أنني قرأت العديد منها، فاشلاً. إنها تستبعد الشخص الذي وقعت له الأحداث. والسبب هو أنَّ من الصعب وصف أي كائن بشري. لذلك يُقال: " هذا ما حدث "؛ ولكن لا يرد وصف الشخص الذي وقعت له. والأحداث لا قيمة لها إلا إذا عرفنا أولاً لمًنْ وقعت. مَنْ كنتُ حينئذٍ ؟ أدلين فرجينيا ستيفن، الابنة الثانية لليزلي وجوليا برينسب ستيفن، ولدتُ في الخامس والعشرين من شهر كانون ثاني عام 1882، سليلة عدد كبير جداً من الأشخاص، بعضهم مشهورون، والبعض الآخر مغمورون؛ ولدتُ وسط شبكة هائلة من الأقرباء، ليس لأبوين ثريين، بل مكتفيين، في عالم أواخر القرن التاسع عشر شديد الانفتاح، من الثقافة، والكتابة الأدبية، وتبادل الزيارات، والفصاحة؛ بحيث أستطيع إنْ شئت أنْ أتكبد المشقّة، أنْ أكتب الكثير هنا ليس فقط عن أمي وأبي بل وعن أقربائي وقريباتي، وأنسبائي وأصدقائي. لكنني لا أعرف كم منه، أو أي جزء منه، يجعلني أشعر بما شعرت به في غرفة الحضانة في سينت أيفز. لا أعلم إلى أي مدى أختلفُ عن باقي الناس. وهذه صعوبة أخرى يواجهها كاتب المذكرات. ولكن لكي يصف المرء نفسه بصدق يجب أنْ يكون لديه معيار للمقارنة؛ هل كنتُ ذكية، أم غبيّة، أم جميلة، أم قبيحة، أم متحمسة، أم باردة - ؟ ونظراً إلى أنني جزئياً لم ألتحق بالمدرسة أبداً، لم أخض أية منافسة مع أطفال في مثل سني، ولم يُتح لي أنْ أقارن بين مواهبي وعيوبي ومواهب وعيوب أُناس آخرين. ولكن طبعاً كان هناك سبب واحد ابديّ لكثافة ذلك الانطباع الأول: انطباع الأمواج والبلوط على الستارة؛ الإحساس، كما أصفه أحياناً لنفسي، بأنني أتمدد في كرمة وأرى من خلال غلالة من اللون الأصفر الشافّ[4] – يعود في سببه جزئياً إلى الأشهر العديدة اتي أمضيناها في لندن. تغيير غرفة الحضانة كان تغييراً كبيراً. وهناك الرحلة الطويلة على متن القطار؛ والإثارة. أتذكّر الظلام؛ الأضواء؛ وحركة الإيواء إلى السرير.

   ولكن دعني أركّز انتباهي على غرفة الحضانة – كان فيها شرفة؛ مع حاجز، لكنها كانت ملتصقة بشرفة غرفة نوم أمي وأبي. وكانت أمي تخرج إلى شرفتها برداء نوم أبيض. كانت أزهار الآلام تنمو على الجدار؛ تتفتَّح  كالنجوم الساطعة، مع خطوط قرمزية، وبراعم كبيرة خضراء، نصفها ممتلئ ونصفها فارغ.

   لو كنتُ رسّامة لرسمت تلك الانطباعات الأولى بألوان الأصفر، والفضي، والأخضر الفاتحة. الستارة بلونها الأصفر الفاتح؛ والبحر الأخضر؛ وفضيّ أزهار الآلام. كنتُ سأرسم لوحة كرويّة الشكل؛ شافّة. كنتُ رسمت أوراق أزهار منحنية؛ وأصدافاً؛ وأشياء شافّة؛ كنتُ رسمتُ أشكالاً منحنية، ينفذ الضوء من خلالها، ولكن بلا حدود واضحة. يكون فيها كل شيء كبيراً ومُعتماً؛ وما يُرى فيها يُسمَع أيضاً؛ تنبعث فيها الأصوات من خلال أوراق الأزهار أو الأوراق الخضراء – أصوات لا تتميَّز عن الأضواء. إنَّ الصوت والضوء يبدو أنهما يشكلان أجزاء متساوية في تلك الانطباعات الأولى. عندما أفكّر في الصباح الباكر وأنا في السرير أسمع أيضاً نعيب غربان تنقضّ من علوٍ شاهق. يبدو الصوت وكأنه يسقط من خلال هواء مطاطيّ، صمغي؛ فيكبحه؛ يمنعه من أنْ يكون حاداً وواضحاً. ونوعيّة الهواء الذي فوق منزل تالاند بدا كأنه يوقِف الصوت، يجعله يغوص ببطء، كأنه عالق في حجاب أزرق مطاطيّ. ونعيب الغربان هو جزء من تكسُّر الأمواج – واحدة، اثنتان، واحدة، اثنتان – والرذاذ كما الموج يتراجع ومن ثم يتجمَّع من جديد، وأنا أستلقي هناك نصف يقظة، نصف نائمة، أرسم بنشوة تعصى على الوصف.

   الذكرى التالية – كل ذكريات اللون والصوت تلك تتجمّع في سينت أيفز – كانت أشدّ عنفاً بكثير؛ وحسيّة إلى أقصى مدى. جرتْ لاحقاً. ولا زالت تجعلني أشعر بالدفء؛ كأنَّ كل شيء كان ناضجاً؛ يُهمهم؛ مُشمساً؛ يفوح بالعديد من الروائح دفعة واحدة؛ وكلها تشكِّل كلاً كاملاً لا زال حتى الآن يستوقفني – كما توقفت حينئذٍ وأنا أتمشّى على الشاطئ؛ توقفت في القمة لأنظر نحو الأسفل إلى الحدائق. كانت تغوص عميقاً تحت الطريق، وأشجار التفاح بمستوى الرأس. كانت الحدائق تُطلق غمغمة النحل؛ وثمار التفاح حمراء وذهبية؛ وكانت هناك أيضاً أزهار وردية؛ وأوراق رمادية وفضيّة. الطنين، الدندنة، الرائحة، كلها بدا كأنها تضغط بشهوانيّة على حجاب حاجز؛ ليس لتخترقه؛ بل  لتغمغم حول بهجة متعة كاملة أوقفتها، شممتها؛ نظرت إليها. ولكن من جديد يعصى عليّ وصف تلك البهجة. كانت بهجة وليس نشوة.

   إنَّ عنف تلك الصور – لكنَّ البصر حينئذٍ كان دائماً يمتزج بقوة مع الصوت بحيث أنَّ البهجة ليست الكلمة الصحيحة – على أي حال إنَّ عنف تلك الانطباعات يدفعني من جديد إلى الخروج عن الموضوع. تلك اللحظات – في غرفة الحضانة، في الطريق إلى الشاطئ – لا زالت أشدّ واقعية من اللحظة الحاضرة. لقد اختبرتُ هذا تواً. لأنني نهضتُ وعبرت الحديقة. كان برسي يحفر ليزرع الهليون؛ ولوي ينفض بساطاً أمام باب غرفة النوم[5]. لكنني كنتُ أراهما من خلال المشهد الذي رأيته هنا – غرفة الحضانة والطريق المؤدية إلى الشاطئ. أحياناً أستطيع أنْ أعود إلى سينت أيفز بشكل كامل أكثر مما أستطيع هذا الصباح. أستطيع أنْ أبلغ حالة أبدو فيها أنني أراقب الأشياء تحدث وكأنني حاضر فيها. أي، كما أعتقد، أنَّ ذاكرتي تزوّدني بما نسيت، بحيث يبدو كأنه يحدث بشكل مستقل، على الرغم من أنني في الحقيقة أجعله يحدث. في بعض حالات المزاج المفضّلة، تطفو الذكريات – التي نسيها المرء – إلى القمة. وإذا كان الأمر كذلك، أليس ممكناً – إنني دائماً أتساءل – أنَّ الأشياء التي شعرنا بها بقوة شديدة لها وجود مستقل عن عقولنا؛ وفي الحقيقة لا زالت موجودة ؟ وإذا كان الأمر كذلك، أليس ممكناً، أحياناً، أنَّه سوف تُختَرَع أداة نستطيع بوساطتها أنْ نستحضرها ؟ إنني أراه – الماضي – أشبه بجادة تمتد خلفي؛ كشريط طويل من المشاهد، والانفعالات. هناك عند آخر الجادّة الحديقة وغرفة الحضانة، وبدل أنْ أتذكّر هنا مشهداً وهناك صوتاً، سوف أضع مأخذاً في الجدار، وأُصغي إلى الماضي. سوف أنتقل إلى شهر آب من عام 1890. أشعر بأنَّ ذلك الانفعال القويّ لابد أنْ يترك أثره؛ والأمر كله اكتشاف كيف نستطيع أنْ نجعل أنفسنا نلتصق به، لكي نتمكن من عيش حياتنا كلها من البداية.

   لكنَّ غرابة ذكرى تينك الحادثتين القويتين هو أنَّ كلاً منهما كانت بسيطة. أكاد لا أعي نفسي، بل فقط الإحساس، أنا فقط حاوية الإحساس بالنشوة، بالبهجة. لعلَّ هذا ما يُميِّز ذكريات الطفولة كلها؛ لعله يُفسّر قوتها. ولاحقاً نُضيف إلى الأحاسيس الكثير مما يجعلها أشد تعقيداً؛ وبالتالي أقلّ قوة؛ أو إذا ليس أقلّ قوة، فأقل عزلة، وأقلّ تعقيداً. ولكن بدل أنْ نُحلِّل هذا، إليك مِثالاً عما أعني – إحساسي بشأن المرآة التي في الرواق.

   كانت هناك مرآة صغيرة في الرواق في منزل تالاند. كان لها، كما أذكر، حافة عليها فرشاة. عندما أقفُ أمامها على رؤوس أصابع قدميّ كنتُ أستطيع أنْ أرى وجهي في المرآة. وعندما أصبحتُ في السادسة او ربما السابعة، بتُّ متعودة على أنْ أنظر إلى وجهي في المرآة. لكنني كنتُ أفعل ذلك بعد أنْ أتيقّن من أنني وحدي. كنتُ أخجل منه. لقد بدا طبيعياً أنْ يُرافق ذلك إحساس بالذنب. ولكن لماذا ؟ وتبدّى لي سبب واحد واضح – لقد كنتُ وفانيسا ما يُسمّى بالغلاميتين[6]؛ أي، كنا نلعب الكريكيت، ونتسلق الصخور، ونرتقي الأشجار، وقيل إننا لم نكن نأبه للملابس وما إلى ذلك. ولعل هذا هو السبب في أنَّ النظر إلى أنفسنا في المرآة كان مناقضاً لطبيعتنا الغلامية. ولكن أعتقد أنَّ إحساسي بالخجل أعمق في جذوره بكثير من ذلك. إنني أكاد أميل إلى ذكر جدّي – سير جيمس، الذي دخّن ذات مرة سيجاراً، وأحبّه، ولهذا رماه ولم يعُد إلى تدخينه بعد ذلك. وأكاد أميل إلى الاعتقاد أنني ورثتُ خصلة من المتطهرين، من طائفة كلابام[7]. على أي حال، استمر الخجل من المرآة معي طوال حياتي، حتى بعد انقضاء المرحلة الغلاميّة بزمن طويل. إنني لا أستطيع أنْ أضع البودرة على أنفي علناً. وكل ما يتعلّق بثوبي – أنْ يكون مناسباً، أو أنْ ألج غرفة مرتدية ثوباً جديداً – لا زال أمراً يُخيفني؛ على الأقلّ يجعلني أخجل، أشعر بالحياء، وبالارتباك.   

 

[1] - من كتاب " Moments of Being "                         - المترجم

[2] - الليدي ستراتشي، زوجة كاتب السيرة لايتون ستراتشي الشهير، ماتت وهي في التاسعة والثمانين... في شيخوختها كتبت " بعض الذكريات من حياة طويلة " لكنها كانت قصيرة جداً ولم تتعدّ حفنة من الصفحات، أي أنها عندما بدأتْ تكتبها كانت قد بدأتْ تنسى أكثر مما تتذكّر..

[3] - روجر فراي (1866 – 1934): ناقد فني. عرّف رسامي حركة ما بعد الانطباعية إلى البريطانيين. من كتبه " رؤيا وتصميم " و " سيزان ".                    - المترجم

[4] - الشافّ: أقل صفاء من الشفّاف.

[5] - برسي ولوي هما المسؤول عن الحديقة ومساعده في منزل أهل فرجينيا الريفي.

[6] - الغلامية: الفتاة التي تتشبه بالغلام.

[7] - عندما تزوج جدّ فرجينيا، سير جيمس ستيفن، من جين كاثرين فن، وجد نفسه في قلب طائفة كلابام.

*****

خاص بأوكسجين

فرجينيا وولف ,أسامة منزلجي

معلومات الصورة
الصورة من فيلم "جوّع كلبك" للمخرج المغربي هشام العسري