لا أريد قبراً في منفى | صبري هاشم

العدد 193 | 20 حزيران 2016

تقديم

رَحلَ صبري هاشم عنا! ذاك الشاعر العراقي، الذي توقف قلبه عن الخفقان لآخر مرة ببرلينَ في الحادي عشر من نيسان/ أبريل المنصرم ...

رحلَ ذو المفردة الأنيقة والرشيقة،

رَحَلَ مَنْ استمطرَ الغيمَ أريجاً وعِطراً،

مَنْ استرَقَ لقطةً للموجِ، يلحسُ أَجسادَ الصبايا

................................      

لقد جاءَ من هناك، من البصرة الفيحاء، من طفولةِ ماءٍ شاخَ على مواويلِ البردي وبساتين النخيل،

هُناكَ، حيثُ شيَّدَ شاعِرٌ مجهولٌ أوّلَ بيتٍ للشِعرِ يُؤوي الكلمات... !

نازلَ صبري الموتَ مرّاتٍ عديدة، وعادَ منتصراً !وفي كلِّ مرة يعود،كانت تُخايله ظلالُ بسمة شاحبة، لأنه كان يعرفُ أنْ لابُدُّ لمارد الموت أنْ ينتصر في الجولة الأخيرة ...!

فقد عوَّدنا على أنْ يعود .. لكنه لم يفعلها هذه المرة! رَحَلَ وتركنا مُسمَّرينَ على خِنجرِ انتظاره ...

غافلنا وانسلَّ حالماً في رحلة نُعاسٍ مَديدٍ محمولاً على رَفٍّ من الفَراش ..

فهل سافَرَ ليقنعنا أنَّ الحدسَ لديه لايُخطئ ؟!  أم أنه حَمَلَ في نفسه شيئاً من طبائع الغجر؟!

فالغجريُّ، دائماً، على سَفَرٍ مُرتَجَل .. وفي كل سَفَرٍ حكاية، لا تُروى إلاّ بعدَ أنْ تتجاوز سنَّ الخجَلِ  من الذكرى ...!!

يحيى علوان

 

بعد رحيل صديقنا الشاعر والروائي صبري هاشم الذي كان ينازل الموت مرات ومرات عدت لقراءة مجموعات عدة من قصائده، وأنا احاول ان ابحث عن مسيرة رحلته المضنية في المنفى، واستطاعت بعض قصائده أن تتعانق لتصبح مَرثِية، كتبها في سنوات معاناته قبل ان يتوقف قلبه المتعب عن الخفقان.

قيس الزبيدي

وإليكم القصائد:

 

المنفى

دائماً تَختارُ الطريقَ
ومنه تُقررُ العودةَ أو مِن سواه
في كلِّ مرّةٍ تختار
دائماً تختار
إلاّ هذه المرّة
اختاركَ الطريقُ
ذهبتَ فيه
إلاّ هذه المرّة
سدَّ وراءك الخياراتِ
أطفأ وراءك ضوءَ العودة
هذه المرّة
وحسب.

***

الأب

تلك أقمارُ البداية 

فارحلْ يا ولدي

لتنجوَ من غولِ الظُلمةِ
ولتموتَ مشرقاً
أشارَ أبي إلى رغبتي
وعادَ إلى موتِهِ سعيداً
هل كان جميلاً؟
أُقسمُ إنّه كان أجملَ من خصوبةِ العشّاقِ
ومن لوعةِ المشتاقِ
وأبي كان حالماً
وكان حليماً
وكان عادلاً
وكان حكيماً
آهٍ ما أجملَ ما كنتَه يا أبي!

***

الأم

لكنّ أمي قالت ذاتَ حرقةٍ :

رحلَ أبوكَ قبلَ الأوانِ
وأمي ؟!
آه يا أبي
لم تَعُدْ تهتمُ بالديرَمْ ولمّةِ الخِلاّن
لم تَعُدْ تَحفَلُ بالناي فجراً
ولا بوقعِ الخطى ليلاً
لم تَعُدْ
لكنها يا أبي ...
ماتَتْ في خاتِمَةِ المَطاف
ماتتْ كَمَداً

***

الزوجة/ يمامة

هي توأمي الأجملُ منسوجةٌ من عبير
هي ابتداءُ الكلامِ إنْ أردتُ الكلامَ
وهي جُنحي الذي به أطيرُ إن نَوَيتُ الرحيل
هي قرنفلةُُ القلبِ إنْ عُبثَ به أطلقَ الرحيقَ
تأتي عَبْرَ محطّاتِ الشّرقِ ببطاقةِ طريقٍ واحدةٍ
ليس فيها أملٌ في عودة
تعلنُها أمامَ المحافلِ: هذه بطاقةُ الرحلةِ
ومزقتْ ما كان فيها من كلام
أنا ذاهبةٌ لسيِّدِ الأحلام
هي قلبي الذي بعاطفتِه أتلفَ نفسَه وحيَّر الحُكَماء
هي نفسي الحائمة
التي لا تحطُّ على بيتٍ أو شجرة
هي لغتي الهائمة.

***

اعتذار لابنتي

هو الزمنُ يا بُنيتي مَن ألقى بنا في هذي المنافي
فاعذريني لو تركتُك في منتصفِ الطريقِ
هو الوطنُ الذي كلّما مَدَدْنا له يداً راحَ يبتعدُ
يا بُنيتي هذا وطنٌ مسحورٌ كأنهُ السراب
وحين رأيتُ يا بُنيتي البشرَ في أوطانِهم يمرحون
رأيتُ الوطنَ في قلوبِنا يمرحُ
نحن يا حبيبتي لا نسكنُ وطناً
بل فينا يسكنُ الوطنُ
اعذريني يا حبيبتي لو
تركتُك في منتصف الطريق.

***

سؤالٌ افتراضيٌّ من ابني

لو سألتني يوماً يا بُني

لو أطلقتَ عاصفةَ السؤالِ :
لِمَ نحن في الغربةِ انزرعْنا ؟
هل تظنُّ أنني سألجأُ للجوابِ
وبماذا أُجيبُ ؟
لو سألتني يا بُني:
أين العراق الذي على حُبّهِ ربيتَنا؟
هل تظن أنني أُجيب؟
أما الآن
سأجيبُ .. نعم سأُجيب
لقد كبرتَ يا ولدي
وها أنتَ تراه عَبْرَ شاشةِ التلفازِ خراباً
ها أنتَ تراه عبرها يحترق

***

الاحتلال

نحن من سلالةِ مُربّي الجاموسِ العظمى
معدان الله في أرضِ السوادِ
هم رعاةُ بقرٍ، همجُ الله في أمريكا
هم مثلنا.. نحن مثلهم
هم ونحن
نحن وهم
دخلْنا وسخَ التاريخ.

***

في مستشفى الشارتيه

يبدو العالمُ جافّاً
إلاّ أنا
أظلُّ مُبللاً بالحنينِ

***

كائن اللوثة

جبلٌ ليلُ المنفى
بحرٌ مخبولٌ ليلُ
المشفى

في المنفى

***                               

مناداة

رتّبي بعضَ أشيائك                                                                                                                                            
ولا تَعصفي بكياني أنا الذاهبُ نحوَ الرّيحِِ
نحوَ الأصواتِ التي لم يأتِ مِنها صَدى
لا تَعْصِفِي بِحزني
فعلى مًن تَبكي العيونُ مِن بعدِيَ أنا الغاربُ
أعلى وطنٍ
وفيه تُزهقُ الأرواحُ
وتُحصدُ الأحلامُ
أم على بلادٍ أضحتْ خراباً في الجوارِ
أم على التي لم يبقَ مِنها سوى ذاكرةٍ ؟
على مَن تَبْكِي القلوبُ أيُّها القدرُ ؟

***

الشريان

من بين كلِّ رجالِ الدنيا طاردَني هذا الشريانُ
من بين كلِّ شرايينِ الدنيا
معطوبٌ هذا الشريانُ
يا ربّ الدمِ والنَفَسِ والشريان
من أين أتيتَ بهذا الوغدِ الميتِ في قلبي؟
يا مَن تصنعُ جبالاً راسيات وتفتحُ أنهاراً عابرات
وتعطي الجملَ الموغلَ في الصحراء صبراً
وتَهَبُ الأفيالَ فُتوّةً
وتمنحُ الأسودَ جبروتاً
يا ربّ المخلوقاتِ وخالقَ كلّ الجينات
يا مُسخّرَ الأمواجِ والرياحِ والإعصار من أين أتيتَ بهذا؟
يا ربّ أنقذني من هذا الشريان.

ملاحظة : لم يَخنّي أحدٌ كخيانةِ جسدي لي.
أحرقوا هذا الجسدَ الخائن
ولا تتركوا لقنينةِ الرّمادِ مَدْفَنا.

نصيحة الوالد:

لكن الشاعر كان يريدُ ان يستريحَ في منفاه:

" ... يا هذا الرأسُ المُثقلُ بالأحداثِ
أما زلتَ تبحثُ عن وسادةٍ لكي تستريحَ للمرّةِ الأخيرة ؟..."

***

وصية الشاعر:

أنا قنينة الرمادِ
فُكّوا أسرَ غربتي وللرياحِ أطلقوها
أفتحوا خزائني وبوجه المدى انثروها
ربما صوبَ العراقِ يحملُها الهواءُ
وإنْ شئتم
في اللجّةِ أتركوني
لعل موجةً مُنفَلِتَةً حملتني إلى شاطئ في البصرة
أو ربما نحو المدينةِ يحمِلُني الماءُ
أنا قنينةُ الرمادِ
لا أريدُ قبراً في منفىً.

*****

خاص بأوكسجين

روائي وشاعر من العراق. أقام في ألمانيا منذ عام 1990. توفي في 11 نيسان الماضي في برلين بعد صراع مع المرض. من رواياته: "رقصة التماثيل" 1995، و"خليج الفيل" 1997، و"الخلاسيون" 2000، و"حديث الكمأة" 2005. من مجموعاته الشعرية: "أطياف الندى" 2002، و"جزيرة الهدهد" 2002....

معلومات الصورة
الصورة من فيلم "جوّع كلبك" للمخرج المغربي هشام العسري