\"كلاب شاردة\"..العواء إنساني والدموع للجدران | زياد عبدالله

العدد 159 | 5 تشرين1 2014

يعود في كل يوم من ساحة المعركة وعلى عاتقه راية استسلامه، الراية التي يسترزق منها، وما من معركة يخوضها إلا في مواصلته الحياة، هو الذي يعمل بديلاً عن عمود أو سارية تحمل في نهايتها إعلاناً تافهاً لعقار يحمل رقم هاتف.  

هو يوم هذا الرجل الذي لا اسم له في فيلم المخرج التايواني الكبير تساي مينغ ليانغ "كلاب شاردة" Stray Dogs (وجائزة لجنة التحكيم الخاصة في مهرجان فينيسيا السينمائي، وجائزة أفضل مخرج في مسابقة المهر الآسيوي الإفريقي 2013 في مهرجان دبي السينمائي الدولي)  بعيداً جداً عن كلاب كوروساوا الشاردة "كلاب شاردة" 1949، قريباً جداً من تاركوفسكي، لا بل إن اللقطة الأولى من الفيلم التي تمتد لأربع دقائق تذكرنا كثيراً بلقطة في فيلم الكسندر سوخوروف "أم وابن" 1997، حيث اللقطة تضعنا حيال ما له أن يكون لوحة لا حركة فيها، لا بل إن تحرك أي شيء فيها سيكون مفاجئاً، فمع "كلاب شاردة" سنقع أولاً على امرأة تجلس على طرف سرير بينما خلفها طفلان نائمان، وكل ما ستقوم به هو تسريح شعرها، بينما في فيلم سوخوروف يكون الابن والأم في عناق واللقطة الثابتة تضعنا حيال لوحة أيضاً نبقى نتأملها طويلاً لدرجة أننا ننسى الحركة التي تفاجئنا حين انفصالهما عن بعضهما البعض.

مع ليانغ هناك أب وابنة وابن، وبعد الحديث عن اللقطة الافتتاحية فإن الآلية السردية لصاحب "يعيش الحب" (أسد فينيسيا الذهبي 1994) ستكون معتمدة تماماً على اللقطة الثابتة، واستثمار المشهدية التي ترصدها بحيث يكون التكوين البصري مصاغاً بجماليات تشكيلية، ولتكون اللقطة الطويلة مساحة لاختبار تلك الجمالية التي يدخلها العنصر البشري، حين يدخل الممثل/الممثلة الكادر، لا بل إن لقطات "الكلوس أب" قليلة مقارنة باللقطات الأخرى. فبعد ما لنا أن نعتبره طبيعة صامتة، تأتي لقطة لرجلين يقفان في شارع مزدحم لا تتوقف فيه السيارات عن المرور، وهما يحملان يافطتين إعلانيتين، بينما تعصف بهما ريح هوجاء تكاد تقتلعهما، وليكون هذا هو عمل الرجل، أي أنه يحمل إعلاناً ويقف في الشوراع مهما كانت حالة الطقس، في العواصف والأمطار والثلوج، بينما تكون ابنته وابنه يتسكعان ريثما ينتهي والدهما من عمله.

الشخصية الرابعة في الفيلم ليست إلا امرأة تعمل في سوبر ماركت، وتقوم بإطعام الكلاب ليلاً، إنها الكلاب الشاردة، كما أن الأب والابنة والابن يعيشون في بيت مهجور، ويقضون حاجتهم في الحمامات العمومية، ويأكلون الوجبات الترويجية المجانية.

الانفعال الوحيد الذي ينقض على الأب، أو موجة الغضب التي ستجتاحه ستكون حين اكتشافه للدمية التي صنعها ابنه وابنته من الملفوف والقماش المهترئ، حينها سيقوم بخنق تلك الدمية بالوسادة، ومن ثم _وفي مشهد يصعب نسيانه_ يقوم بالتهام الملفوفة بجنون بعد أن يفقأ العينين اللتين رسمتا عليها، ومن ثم سيأخد ابنه وابنته في جو عاصف وماطر ليستقلا قارباً كما لو أنه قد قرر الانتحار وأن أفضل مصير لولديه هو الموت، وحينها تتدخل المرأة سابقة الذكر وتنقذهم.

إنه عيد ميلاد الأب كما سنعرف، وبيت تلك المرأة سيكون عجيباً، إنه كما لو تعرض لحريق، بينما جدرانه متغضنة ولتقول المرأة للابنة إن الجدران أصبحت كذلك بعد ليلة ماطرة بجنون بكت فيها جدران البيت وهذه آثار دموعها. 

إن محاولة استعادة فيلم "كلاب شاردة" بعد مشاهدته، تضع المشاهد حيال سرد بصري خاص، يعيدنا مجدداً إلى علاقة السينما بالفن التشكيلي، والانحياز لشعرية الصورة، ثم إن الأب كما سنشاهد ليس إلا خاضعاً لسحر لوحة يقف في اللقطة الأخيرة في الفيلم طويلاً أمامها، وهذا تماماً ما سيكون عليه المشاهد في هذا الفيلم أي الوقوف طويلاً أمام اللقطات الطويلة للفيلم التي تمتلك سحر تلك اللوحة التي سحرت الأب.  

________________________________

شاعر وروائي وناقد من سورية

 

الصورة من فيلم "كلاب شاردة - Stray Dogs" للمخرج التايواني تساي مينغ ليانغ 

*****

خاص بأوكسجين

كاتب من سورية. مؤسس مجلة أوكسجين ومحررها. صدر له: " سيرة بطل الأبطال بحيرة الانكشاري ومآثر أسياده العظام (1984 هـ)" (رواية، منشورات المتوسط 2019)، و"كلاب المناطق المحررة" (رواية، منشورات المتوسط 2017)، و"الوقائع العجيبة لصاحب الاسم المنقوص" (مجموعة قصصية، منشورات المتوس...

مقالات أخرى للكاتب