كسر في العظام | محمد رشو

العدد 173 | 16 أيار 2015

١

يبدأ الحكّ بنيّة ألا تفعل ثم بمسّ الجلد ببنان الأصابع فحزّ حدّ الأظافر على زغب البشرة فالضغط فالذهاب والإياب فالفرك فالخدش في نقطة واحدة فالإلتفاف حولها فالشدة فالضغط مرة أخرى والحرث السحج فالكشط فإغماضة العين حتى لا تعود الأظافر لك ففتح العين على الدم الخفيف فالبدء بشهوة عارمة لينتهي الحكّ حيث لا ينتهي. الحكّ لا جدوى منه ولا يشفي، لكن لا بُدّ منه،ُ كالندم تماماً.

 

2

لا أتخيّلُ أمّ كلثوم سوى شجرة أمام البيت، 

ومحظوظ لأنني ألمحها كلما خرجتُ لأراكِ، 

لأمرٍ آخر، مجهولٍ تماماً، 

سأعرفُ أن الحياة تجربة 

وأنني محظوظ أيضاً ما دام الشيطان يظلّ يلعب بكراته الزجاجية 

ولا يأبه بأحدٍ ما يتلصص علينا خلف الباب، 

الباب الذي لا يُفتح سوى مرّة واحدة 

ودون أن نعرف متى.

 

٣

نتكلم ليمرّ الوقت، 

نحب ليمرّ الوقت، 

نمشي ليمرّ، 

وثم تأتي ساعة لا نقدر فيها سوى أن نحدّق في نقطة عمياء، 

وأن نتذكّر ما فعلناه، ليمرّ الوقت أيضاً، 

سنتذّكر دون أن ندري أننا قد وقعنا في كل الفخاخ 

التي كان ينصبها الوقت أمامنا 

على مهل. 

 

٤

عيني أثرُ عينكِ على وجهي. 

 

٥

أرى فمكِ وأحبكِ حين أحبكِ، 

أرى فمي ولا أعرف كيف أحبكِ حين لا أحبكِ، 

بيدكِ تزيحين الشعر عن وجهي فألمسُ وجهكِ بيدي، 

تعرفين ما تُظهرين ولا تعرفين ما أرى، 

طريقان أحدهما حيث قربي شجرٌ 

ينحني على ماءٍ يجري في الماء قربكِ، والآخر نفسه 

معكوساً يبدأ من عينكِ حيث أنا 

وينتهي في عيني حيث أنتِ.

 

6

كلما التقيتكِ آخذُ عضواً منكِ 

وأتركُ معكِ عضواً مني، 

ذات يوم، 

سأصلُ إلى البيت وأراكِ كاملةً، 

وستصلين لتريني، 

لن يدلّ علينا شيء، 

ولن يبقى من كلينا شيء، 

وحينئذٍ سنعرف أننا قد نجونا. 

 

٧

مثلما أحببتكِ كي لا أقتلَ نفسي، أتحدّثُ عنكِ كي لا أقتلكِ.

 

8

لا تخافي من أحدٍ سوى منّي الطيب الذي أحبكِ، 

لا تأمني لأحدٍ سواي الشرير الذي يخاف عليكِ.

 

9

وأنتِ نائمة، أفكّر بثعلبٍ يُفزع الطيور التي تحلمين بها. 

وأنت لستِ نائمة وتفكرّين، 

أحلم بدم على فمي، 

آكلُ قلبكِ وثمّ أقطع الغابات صوتاً يختفي في ندم البحيرات.

 

10

لا أتذكّر تماماً ماذا غنيّتِ تلك الليلة، 

لكنني أعرف أن صوتكِ كان جميلاً أكثر مما أحتمل، 

وأنني كنت أفكر في أمر لا شيء سواه: 

النجاة لا يتركُ ذكريات زرقاء.

 

 ١١ 

لو تعرفين كم تُهان يدي اليسرى حين أصافحكِ.

 

 12

كلما مررتُ بنهرٍ، لا أتحدّث إلا عنكِ، 

أتحدث عنكِ وأعرف أن كل ما أقوله لستِ أنتِ، 

لا أتحدّثُ عن الحب، فكلما أحببت لا أعود أعرفه، وكلما أحببت لا أعود أحداً، لا فكرةً، لا شيئاً، لا موجوداً ولا معدوماً، لا رجلاً ولا امرأة، لا كافراً ولا مؤمناً، لا ملاكاً ولا شيطاناً، كلما أحببت أصبح خيالَ ماءٍ يجري خلال الأرض، يجري وأجري معه في الغابة دون أن أعرف أين تنتهي الغابةُ ولا ما الغابةُ، 

تنامين فأفكّرُ في رائحتكِ، 

تندمين فلا أفكّرُ سوى في لونِ الندم.

 

13

الحبّ كسرٌ في العظام.

 

14

أمامه كلبٌ أسود 

وخلفها علبُ المالبورو وفلاتر ريزلا

يأكلُ من فمها ويبدأ ب: لَكِنْ، 

تُنصت إليه عن الحرب في أولها، وتترنم: 

ابقوا هنا ولا تذهبوا

 

لا أحد يضيع في الغابة 

ثمة ريحٌ بريّة وشجرةٌ تقطع الطريق 

ولا أحد يضيع

 

بأسنانك قبـّلْ التفاحَ في فمي، 

وثمَّ تكمل: ابقوا هنا ولا تعودا، 

ليتكلمَ ويبدأ ب: لكن

 

لا أكثر من سيارة أخرى تعبر الأوتوستراد 

الكازية باردة 

وما من ضوء

 

أمامه كلبٌ أسود 

خلفها علبُ المالبورو وفلاتر ريزلا.

 

15

الحبُّ قريبٌ منكَ لكنك بعيدٌ عنه.

 

16

كان يشرب بيضة نيئة ويجلس أمام صالة البلياردو 

يدخن وبقلب مكسور من الحب يغني 

دون أن يبالي بالدم يسقط من وشم أخضر على ساعده

 

كان أمام صالة البلياردو 

حين رآهم يمضون وهم يغنون: من نحن، 

فغنى عن قلبه المكسور ومضى معهم 

كانوا أطفالا يحبون ولا يعرفون ما هو الحب 

ينشدون الأناشيد ويمضون إلى الحرب 

 

دون أن يبالي بالدم يسقط من ساعده 

كان يغني: بقلبي المكسور سأحبك 

كان يشرب بيضة نيئة في الصباح 

ويجلس أمام صالة البلياردو 

ثم مضى معهم حيثما مضوا 

كانوا أطفالا ينشدون: من نحن ولا يعرفون شيئا عن الموت 

كانوا أطفالا يحبون دون أن يعرفوا ما هو الحب.

______________________

 شاعر من سورية صدر له "أنتظر الهواء لأمر بك" 2001 و "عين رطبة" 2005

الصورة للفوتوغرافية التركية ايبرو جيلان Ebru Ceylan

*****

خاص بأوكسجين

شاعر من سورية. من مجموعاته الشعرية: "انتظر الهواء لأمر بك" 2001 و"عين رطبة" 2005

مقالات أخرى للكاتب

19 نيسان 2015