كأننا لم نلتقِ | نجيب جورج عوض

العدد 199 | 24 أيلول 2016

أداعب أفكارك في ظل الجدار

حين يربض العالم كبومٍ

فوق قرميد قلبي

أقول لساكن السماء:

هو الليل هكذا             يا صاحبي

مرآة بلا لون

نسكب عليها اسوداد الزمان

حيث أقف متوسلاً

أن تصل بي إلى آخر السرداب

وأنت بالكاد تدسّ أصابعك

في جيب معطفك لتجد لي بداية.

 

ما خطب أحداقي تفضل النعاس            

أم أنها تخطف الأيام

وتحشرها في الزاوية الضيقة

من بيت المخدة:

تريح رأسك العجوز عليها

ويظل رأسي واقفاً

يداعب بنات أفكارك

في ظل الجدار.

 

صبرٌ جميلٌ أردافه مستديرة

كتلك الطاولة التي جلسنا عندها

نحتسي أنا وأنت آخر نظرياتنا في الحياة

ونسرُّ لبعضنا ردات فعلنا

حين يطول بالناس

طريق العودة إلى أنفسهم.

 

أراهنك بأنني بعد ثالث كأسٍ

أقدر أن أمرِّر غضبي من خرم قميصك

دون أن تتبلل لحيتك            

وأنني أستطيع أن أموتَ على مهلٍ

دون أن تفارقني الحياة

وأنني مع بعض الجهد

أستطيع أن أبتلع قدحين آخرين

وأتلوى من الوجع

تحت وجهٍ يطفحُ بالسعادة

ثم أتباهى أنني بشر

يحب أن يحتسي

معكَ الحياة..

*****

كأننا لم نلتقِ

تطلّعي في وجهي بعيونٍ مطبقة

علّكِ ترينني أوضح.

 

أقف على رصيف الشارع المقابل

أقرب إليك من سيارةٍ

عبرت ولطخت بنطالي بالطين.

 

أرشف القهوة من كوب الكرتون،

أُجعلِكُ أصابعي في جيب المعطف،

وأواصل التفرُّج على رأسكِ

يتلفّت يميناً وشمالاً باحثاً عني.

 

تقاطعنا وتعانقت عيوننا،

جلسنا نتحدث في بهو المساء البارد.

 

كنا:

نضحك مراتٍ

ونهمس أخرى.

وكنتِ:

تسمحين لأصابعي أن تنزلق على خدك

وتلامس جلد رقبتكِ الطري

ولذراعي أن تأخذ قيلولةً على كتفيكِ القويين.

لكننا            

- ولحيرتي الكبرى -            

مضينا بروحينا بعيداً            

كأننا لم نلتـقِ..

***

مطموراً في بركتكِ الموحِلة؟

لمَا قرعتي الباب ذاك المساء            

حين كنت جالساً

أمضغ دموعي على مهل؟

 

لما دخلت

وأمسكتني من تلابيب قلبي

ورميتني إلى زقاق رقّتكِ المعتم،

ثم تفرجتي عليَّ

أحاول بعد كل ليلةٍ نسافر فيها إلى ضفة النشوة البعيدة

أن أعود إلى سلام الوحدة دون جدوى؟

 

ماذا يفعل المؤمن بالحب لهشاشة الروح

حين يتسلق وهم الوفاء الجميل جدرانها المشروخة

ويلتف لبلاب الهزيمة حول قضبان نافذتها الصدئة؟

كيف يغسل ماءكِ قلبي

وأنتِ سيلٌ ينحدر تاركاً إياي

مطموراً في بركة فقدانكِ الموحلة؟

*****

قدمايَ من صدفٍ

 يدايَ من طحلب

هنا:

شمال الشمس،

أدنى قليلاً من رقبة القارة،

يسترخي النهار تحت سماءٍ من حليب،

على مقعدٍ في حديقة الدار.

يتثاءب كالخرفان

ويجرع الجعة على مهلٍ،

ماسحأً الرغوة عن رأٍس أنفه،

مبلِّلاً عينيه بمشهد النبات الأخضر.

 

هنا:            

في براري الصمت،

سافر السكسون بعيداً في فرج الماء

تاركين وراءهم نساءً

بيضاوات كالثلج،

باردات كالشتاء،

شهياتٍ كالموت.

 

هنا:            

يمضى الراعي أمام القطيع

قدماهُ من حديدٍ

وأصابعهُ من خشب.

ينحدر إلى بحيرة الماضي

ينحدر

ولا يعود.

 

هنا:

رأيت لأول مرةٍ صحراءً تتمطّى في عيني

ولاحظت أن جلدي مائل للسمرة.

 

هنا:            

سمعت أنين رئتي

في اشتياقهما إلى هواء الملح

وبلل الشاطئ.

 

هنا:            

عرفتُ أن قدميَّ من صدفٍ

ويداي من طحلب..            

__________________________________

مختارات من مجموعة "الخريف من معارفي" التي ستصدر قريباً عن "منشورات المتوسط"

*****

خاص بأوكسجين

شاعر وباحث أكاديمي وأستاذ جامعي من سورية. من مجموعاته الشعرية: "طقوس حافية" 2003 و"على شفتي قبلة لن أحصل عليها" 2009.

معلومات الصورة
الصورة من أعمال الفنان الإماراتي حسن شريف الذي رحل قبل أيام.