كآدمٍ صغير يقضمُ تفاحة | خالد بن صالح

العدد 152 | 16 أيار 2014

الشارع

حين فرَّ السارق برأسي السكران منتصف تلكَ اللَّيلة الشتوية الباردة، لم أحرِّك ساكناً. استندتُ على أوَّلِ جدارٍ لامسَتْهُ يدي المرتعشة. صلبتُ قدميَّ في محاولةٍ لإيجاد وضعية للنوم، تتلاءم وجسدٍ بلا رأس. مرَّت ساعة، ساعتان..لم أفِق إلا ورجلٌ مرعوبٌ يحاول إعادةَ تركيبِ شيءٍ خفيفٍ على جذعي. 

قبلها وعلى طول الشارع الضيق وجدَ المارَّةُ قصاصاتٍ للإعلان عن وفياتٍ تعود إلى زمن بعيد. تواريخ تقابلُها أسماءُ أشخاصٍ لم يعد لهم أثر. صور جماعية لرؤوسِ فلاَّحين وعائلاتهم لم يغادروا الأرض التي أصابها الجنون. ظِلَّ شاعر مذبوح هنا، دمَ صحفيٍّ لم يكمل فطور الصباح، بينهما جثة مسرحي لم ينزل عن الخشبة. صوتَ امرأة تُغني أبناءها الّذين أكلهم ذئب الغابة...

وجدوا كلماتٍ صدئة، وجدوا آياتٍ مبتورة، وجدوا أحلامَ أطفالٍ لم تتجاوز سورَ المدرسة. وبالقربِ منِّي رسالة فارغة إلا من شفاهٍ التهمَ أحمرُها المشتعل كل الحروف الصغيرة.

كنتُ أرتعدُ ككلبٍ مسعور وسطَ الشارع أحاول تجميع ما سُرقَ مني، لأعيدَ حشوهُ في رأسٍ فارغٍ لم يعد لي. 

*** 

عن الزمن الضائع

مختلفٌ إيقاعُ اليوم

رقْصُنا، 

كدمىً تمسِكُها خيوط من السقف.

كنَّا نحبُّ في "حدِيدْوان" نعمةَ الكسل، لكنَّنا كالأشرار الصغار نسينا النَّوم لسنوات. لم نشهد انفجارَ عُبوَّةٍ ناسفة. لم تتناثر أجسادُنا أشلاءً في سماءِ المدينة أو وَجدَ أحدُنا رأسَهُ معلقاً ببابِ المدرسة.

تعلَّمنا التدخين تحت نوافذ البيوت

الكتب كما الشفاهُ الحمر شرَّدتنا

لم نتخلَّ عن نسجِ أحلامٍ قصيرةِ المدى

لكننا فقدنا إيقاعَ الحياة وعِشنا بعاهاتٍ خفية.

يتساءل أحد الأصدقاء:

- بماذا نُصلِحُ العطبَ الذي أصابنا؟ 

واليوم

اليوم وقد فاتَ الأوان، لا نملكُ من الزمن غير أشيائه الضائعة. نعدُّ الأيام في تشابهها حينما تنفد السجائر قبل اكتمال السهرة. وكالعادة تنامُ المدينة باكراً.

يمكنني طرقُ باب جارتي الأرملة بهدوء. الأبواب لا تسعف أحداً. ندركُ أنَّ سوء الحظّ حليفنا ولكن باستثناءات قليلة.

هكذا نعيشُ فوات الأوان بحقدٍ خفيف متَّكئين على علبة دخَّان وكتفين طريَّتين وشَعرٍ طويل...

الأرملة أعدت لنا فطور الصَّباح وغادرت. كنّا نفكِّر في إنجاز فيلم يبدأ بمشاجرة عنيفة في المطبخ. أخرُجُ إلى الشارع أقدامي تحفرُ عميقاً في الإسفلت، منحدراً ببطء كآدمٍ صغير يقضمُ تفاحة.

المدينة محاطة بخيبة الأمل، مربعات إسمنتية وأسلاك شائكة وجنودٌ يلعنون شمس الظهيرة. عادة ما ألتقي بأشباح الَّذين قُتِلوا أو فُقدوا وانتهت حكايتهم في أولى سطورها. أحيِّيهم بأسمائهم وكأنِّي أعرفهم. هنا تبتلعني الشوارعُ، يتربَّص بي تاريخٌ من الاغتيالات. أمشي قلقاً على صديقٍ تركتهُ وحيداً يجمعُ فتات الخبز ليُطعم عصافير المساء.

الأطفال لا يغادرون الحارات الضيقة. يتعاركون متقمصين مثلنا أدوار أشرارٍ صغار. الشرفات هنا امتدادٌ لوجعٍ قديم وراء الجدران، من مشهدٍ خلفي لحياةٍ ناقصة تمتدُ يدُ السمراء لتسقي زهرة الأوركيد.

كممثل فاشلٍ في فيلم الحياة الطويل، أمضي أقلِّب الصور في رأسي غير آبه بنزيف الذكريات. أفكر في صديق يتدلَّى من شرفة لا تطلُّ على شيء.

*** 

1979

هنا وليسَ في أيِّ مكانٍ آخر 

في هذه الغرفة الموصدة سلالم خشبية تمتدُ من رأسي نحو السقف، يتسلَّقُها قطاعُ طرق ومجرمون..

العظامُ مآسٍ قديمة، تتجمَّع كلُّها فوق السرير.

"الدِّيسُ" صغيرةً كانت في 25 أوت 1979

تشبهُ مخطوط روايةٍ لكاتب مغمور، تسلَّقه اليأس بعد أول صفحة

صاحبَ المساحة الأكبر في ألبوم صور، كنتُ

حيث تنبتُ كلُّ هذه الآلام

أتذكر أحلاماً بأكملِها معلَّقةً على أغصان كرمةٍ جنب البيت

اللَّيل لم يكن سوى صانع معجزاتٍ لطفلٍ يتسلَّل من الفراشِ خلسةً

يتأملُ النجوم المعفَّرة بترابِ القرية.


كنَّا صغاراً وكانت السماء من صنع أيدينا...


في هذه الغرفة بلا نافذة تقبعُ الطفولةُ كتذكار منسيٍّ على الرَّف، حولها يتجولُ باعةٌ ومتسوِّلون وصانعو أوهام وآخرون...

أبٌ لا ظلَّ له

أمٌّ تنحتُ من ظلِّها هيكلَ الشمس

إخوةٌ كنبعِ الماء

امرأةٌ لم تخطئها نظرتي الأولى

وأنا، متحجرٌ كدمعةٍ وحيدة في عيونهم.

 

على مقربةٍ من دُكَّان التَّبغ

أفكر في الطريق الذي أسلكه كلَّ يوم

بذاكرةٍ تلتهمني على مهل

كورمٍ من التسعينيات يفيضُ بالحنين والموتى والقتلة الصغار.

___________________________________________

شاعر من الجزائر

 

الصورة من أعمال الفنان المصري عاطف أحمد. 

زوروا موقعه www.atefahmed.com للتعرف أكثر على تجربته المميزة.

*****

خاص بأوكسجين

شاعر من الجزائر صدر له "سعال ملائكة متعبين" 2010، "مائة وعشرون متراً عن البيت" 2012، و"الرقص بأطراف مستعارة" 2016، و"يوميات رجل إفريقي يرتدي قميصاً مزهراً، ويدخن L&M في زمن الثورة" 2019....

مقالات أخرى للكاتب