في رثاء الكلاب | مهدي محسن

العدد 248 | 4 تشرين1 2019

 

في رثاء الكلاب

كنتُ أفكر بكتابة حكاية عن فتاة سجينة جمالها، مزاجها متكدر هذا الصباح لأنها فقدت دميتها المفضلة، إنها إشارة شؤم تبدأ به هذا اليوم. تكره هذا الجسد المرغوب وتفكر بخطة كبيرة للتخلص من الرجال والجميلات أيضًا، تفكر بميتة نادرة، ليست كميتة مارلين مونرو أو أسمهان،  تفكر بالخلاص لأنها بائسة مثل قبر كما تقول وجائعة جدًا لشيء لاتعرفه. لكن الآن تغيَر الموضوع إلى كلب يُجر خلف سيارة-(أعرف بأن الجميع رآه قبل أيام)-يسقط ثم يعرج ويكمل مصيره حتى انسحل تمامًا، متأكد من أن الرأس وبقايًا منه فقط بقيت عالقة حتى نهاية الطريق، متأكد من أن روحه داستها العجلات أيضًا. الذي وصلني منه مجرد صرخات متقطعة، تلك الصرخات التي لا نسمعها سوى في لحظة كارثة عظيمة، تشبه صرخات الأم التي ذُبح ابنها أمامها بشظية زجاجة-فقط قبل أسبوع من الآن، لم أرها في أي مقطع مرئي ولا صوتي، لكن صرخة المفجوع تصل بأي طريقة كانت حتى لو بالتخاطر، صرختها وصرخات الكلب المسحول- إبرتان تدخلان رأسي من الجانبين كلما تحركت، روحي متشنجة هذه الأيام وأصابني الأرق لهذه الأسباب.

الآن وأنا أفكر بهذه الحكايات أو المشاهد، أقود في طريق مزدحم و في نفس اللحظة تأتي في رأسي أفكار وأحلام يقظة ووجوه قديمة-دائمًا هكذا أقود وأفكر وأفكر وأقود وأرى الطريق والجميع لكن لا أرى شيئًا، الطريق هي من تقودني للوجهة المحددة في رأسي، إذًا في نفس هذه اللحظة رأيت كلبًا أيضًا-ماقصتي مع هذه الكلاب والصرخات؟- لا أعرف، كان كلبًا رجله مقطوعة، يذهب ويعود بين السيارات، يبدو أن هناك شيء يأكل رأسه أو قلبه محروق لأن أحد الأشرار قبل قليل قطع قدمه للتسلية والضحك، أو ربما ذبحوا جِراءه أمامه بشظية أيضًا كما حدث في الأسبوع الماضي مع تلك الأم المفجوعة. أرى عاشقًا لم يتوقف وعبر سريعًا، يصرخ من النافذة وهو يبتسم نحوي ويُقسم لحبيبته بأنه تأخر لأنه أنقذ كلبًا، وآخر يتحدث مع زوجته ويقول بأنه دهس كلبًا وسيأخذه للعيادة لبعض الإصلاحات البسيطة وسيهديه لطفلته المدللة. لابد من أن هناك شيء ما بين هذه الأحداث الثلاثة لأني أرى الآن هذا الكلب ذاهبًا برأسه بكل قوة وتصميم باتجاه إحدى السيارات المعاكسة وحدث ما هو متوقع، انفجر الكلب وطارت صرخة مليئة باللحم والدم وصفعتني، دخلتُ البيت-يقطر مني الصراخ والدماء. أخلعُ كل شيء على العتبة وأدخل الجُحر. جرائي هناك تنتظر أن أرمي لها العظام. أبصق عليها وأهرب نحو مصيري.

توهُّم

شُخّص بمرض غريب ونادر، مرض التوهّم، دائمًا يتوهم أشياء ويقتنع بها. يتوهم بأنه لو أكل هذه الوجبة بالتأكيد سيذهب إلى المرحاض، وإن ذهب وجلس على المرحاض ربما تخرُج منه حشرة زاحفة وتعُض ذكره المتدلي أو خصيتيه، أو أفعى تدخل في مؤخرته، فمن الأفضل أن ينام بدل أن يأكل. يتوهم بأنه إن شرب هذه الكأس من الويسكي سيثمل ويفقد رزانته، فمن الأفضل أن يتشممها فقط. يتوهم بأنه إن صعد الدرج لن ينزل منه وإن نزل لن يستطيع الصعود. يتوهم بأنه لو خرج من البيت وقاد السيارة إلى العمل ربما يتشاجر مع أحدهم في الطريق أو يصطدم برب عائلة ويكون مسؤلًا عن تيتّم أبنائه وترمّل زوجته أو يطرده المدير بسبب خطأ غير مقصود أو ربما يضيع في طريق العودة بسبب فقدان ذاكرة مؤقت وتصبح العودة صعبة، فمن الأفضل أن يكمل نومه، يتوهم بأنه لو شاهد فلمًا الآن سيتألم كثيرًا لمصير البطل وضحاياه وتكون نهايته غير ما تمنى فيتألم أكثر ويكتفي بتأمل السقف أو قطع الأثاث أو لمبة الدرج التي ترمش منذ زمن. يتوهم أشياء كثيرة تُعذبه ولا يستطيع أن يوقف هذا الوسواس لأنه سجين بداخل وهم، الوهم إن دخلته لن تخرُج منه.

 

مشرَّد

 

لم يصبح هكذا بسبب الخمرة، أُصيب باختلال في رأسه

لأنه شاهد من نافذة أحدهم فيلم salo لبازوليني، عاد للبيت سكرانًا مما رأى وتخيل وعرِف، امرأته ابتلعت قضيبه فقطع رأسها، الرأس استمر بعمله حتى النهاية،

لا تستطيع أن توقف رأسًا عن العمل بقطعه.أصيب باختلال بعدها وتشرّد، استمع من نافذة قبل أن ينام

لأحدهم يقرأ كافكا فتحول لدودة حزينة ونام، صحى على صوت الشخص يقرأ لوديع سعادة فتحول لنقطة وساح على الرصيف، أعادته الأقدام إلى القرية وغفا مطمئنًا في بيت جدة أحدهم، أحس بالانتماء والطمأنينة بهذه الجدة الثانية، لكن الريح أطفأته بعد أن تحول من نقطة

أسفل السرير إلى شمعة خارج النافذة.

 

*****

خاص بأوكسجين 

 

 

معلومات الصورة
الصورة من أعمال الفنان الكندي فيليب غوستون (1913 - 1980)