غرفة لا تتسع إلا للوحدة | روان نصرالله

العدد 201 | 24 تشرين1 2016

عندما كنت طفلة كان يعتقد أخي أن مدى فهمي لما حولي يتعلق بحجم أذني، وفي الحقيقة كانت أذني صغيرة حينها بحجم كرزة كبيرة تلتصق بكرزة أخرى أصغر حجماً. كما أن حجمي حينها لم يكن يتجاوز طول طاولة الطعام الضخمة في منزل جدي إن وقفت على رؤوس أصابعي ورفعت رأسي قليلاً.

لكن أذني الصغيرة كانت تسمح لأخي بأن يستمع إلى أم كلثوم براحة تامة أمامي، ظنا منه أن أذني الصغيرة لن تعلم أن صوتها سيكون كالماء الذي يحاول التسلل لمسامات الصخر ليلينه -أقصد بالصخر هنا قلب أخي-.

أمي وأبي كذلك، لم يعلموا أن أذني الصغيرة كانت السبب وراء معرفتي بأن الحب يتمدد كل يوم خلف باب غرفتهم، وذلك لأنها الغرفة الوحيدة التي كان لبابها مفتاحا يصدر صوتا مزعجا عند إقفاله.

دربت أذني على استشعار الحب، ولذلك كنت أقفل عيني عند سماعي لأي أغنية في المذياع، أو عندما استمع لصوت محرك سيارة أبي عندما يعود من السفر محملا بالهدايا .. وكنت افتح عينيي وأشرعهما كنافذتين يدخل منهما هواء صيفي شديد السخونة، عند حدوث أي انفجار، أذكر أن امي حاولت إقفال عينيي عندما اهتزت نافذة جيراننا، ولكني رأيت من بين اصابعها، ذلك الشرخ الذي حاولت جارتنا إخفاءه بمنديل أحمر، لا أعلم لما اختارت اللون الأحمر بالذات، ولكني منذ ذلك الحين اتفقد كل بقعة حمراء أمامي، وأحاول العثور على كل الخدوش التي تحاول الاختباء وتفشل دائما.

خدش في منتصف الحائط، خدش أكبر بجانب مروحة الحمام، أشبه بتفرعات نهر جاف، خدش أخير في قلبي.

كانت أمي دوما ما تقطع دورة العد هذه، وتذكرني بقطرة عيني اليومية، عيني المتعبة التي فقدت القدرة على إقفالها بعد أن فقدت القدرة على استشعار الحب و كل ذلك بعد أن ضعفت حاسة السمع لدي عندما حدث ذلك الانفجار  الذي كان على وشك احتضاني في الساعة السادسة مساءً.

لمَ كل هذا الحزن؟ تسألني أمي -تحب أمي الإكثار من الأسئلة صباحاً- لكني أتهرب من الإجابة بحجة التبول، أفتح الصنبور ليشتت صوت كل تلك الذكريات المتكدسة، رغم أن سمعي لم يعد قوياً، ولكن تلك الجثث المتكدسة في رأسي لازالت لديها القدرة على الصراخ، وكانت لا تزال لدي القدرة على سماعها،  سرعة الماء الذي ينزل من الصنبور تشبه سرعة سقوط جثث أحبائي، جثث أنيقة انزلقت بشكل مستقيم لتتحول إلى فتات يشبه قطرات الماء، فتات أو حطام شفاف، يتيح لك النظر إليه فقط، دون محاولة إصلاحه وإرجاعه إلى طبيعته، فمجرد لمسه سيختفي كما تختفي قطرات الماء الصغيرة عند لمسها أو محاولة التودد إليها. القطرات تشبه أيادي سكان الحي المقطعة والمهروسة، لا مجال لإعادة تجميعها بيدي.

من الغريب أن يبدأ الجميع يومهم بغسل وجوههم، وإقناع نفسهم بكل إيجابية هذا العالم، أما أنا فأتهرب من النظر إلى وجهي، أولاً لأن إضاءة الحمام في منزل أبي وأمي برتقالية وضعيفة جداً. وثانياً كي لا أتذكر أن وجهي فقد القدرة على تغيير معالم الدهشة التي انقضّت عليه منذ سنوات. قبل سنة قمت بكسر المرآة لتقسم وجهي إلى قسمين أو إلى وجهين، وجهي الحقيقي الحزين، ووجهي المزيف الذي يجب أن أواجه به العالم كل يوم، الجميع يظنون أن الابتسامة هي مصدر القوة، لذلك أرتديها أحياناً، أجفف وجهي من قطرات المياه التي ستلتهم نفسها الآن وأخرج.

أواجه الخدوش مرة أخرى، تظن الحرب أنها مضت سريعاً، ويحاول الناس تصديق ذلك، أمي أيضاً تصدق ذلك، وتتناسى أن الحرب بثوبها الأسود الطويل أخذت قلب أخي القاسي قبل أن تلينه.

كنت أعزل نفسي دوماً في غرفتي القديمة، لأن الأماكن الواسعة الفضفاضة كانت تذكرني بوحدتي، شوارع كثيرة تتسع لأقدام كثيرة، مقاعد أكثر تتسع لقبلات أطول، ولا أحد يرافقني سوى ظلي، وتلك الخدوش.

 أعود إلى غرفتي وحيداً كما بدأت، في غرفتي الضيقة المحشوة بالمحتويات: سرير ضخم يبتلع نصف مساحة الغرفة، لا أنام إلا على حافته. زهور جديدة وأخرى ميتة منذ شهور، كتب مكدسة لا أهتم لقراءتها، طلاء أظافر جاف ابتعته منذ سنتين. ذكريات مكومة كجثث تكسو الأرضية التي لم تعد تتسع للرقص ولا حتى للمشي. أتجاهل ترتيب كل هذه الفوضى لتضيق غرفتي عليّ أكثر، وذلك لأصدقها حين تخبرني بأنني لست وحيدة، بل كل ما في الأمر أنها ضيقة جداً ولم تعد تتسع لشخص آخر.

*****

خاص بأوكسجين

معلومات الصورة
اللوحة من أعمال الفنان السوري مروان قصاب باشي الذي رحل عنّا يوم الأحد 23/10/2016.