عذراء وهران الحجرية | خالد بن صالح

العدد 171 | 19 نيسان 2015

أظنُها قسنطينة من علَّمتكِ حكمةَ درء التصدعات

أتخيَّلكِ تعلِّقين جسراً عند كلِّ هاوية، 

بينما أجلسُ بالقربِ منك أتأمل قدميك الباردتين. 

البطاقاتُ البريدية التي اشتريتُها من مدينة أخرى، لم أرسلها لأحد

ظَلَّ الأسدُ وحيداً وهو ينظر إلى عذراء وهران الحجرية. 

واليوم تتقاطعُ طرقنا مجدداً عند تمثال الأمير في العاصمة

هناك سماءٌ قريبة نتقاسمُ مطرها الخفيف معاً، للحظات.

في أقرب مقهى نجلس كغريبين لا ينتميان إلى ثلاث مدنٍ كبيرة، 

تُخرجين "فوانيس" عمار بلحسن من حقيبة يدك، أسحبُ سيجارة من جيب سترتي 

مسترسلاً في الحديث عن طقس حارٍّ هناك وأناس طيِّبين يتخلون بسهولة عن أحلامهم. 

وكيف أنَّ الجغرافيا غالبا ما تكون ظالمة.

لكنك كنت مستغرقةً في شيء ما، خفيفاً كالمطر

في الخارج أمواجُ الراجلين عبر الأرصفة تتكتلُّ أكثر بالقرب من الجدران، 

كما لو مِن منارةٍ، نسمعُ هديرها ممزوجاً بأغنية "يا بحر الطوفان" القادمة من شريط كاسيتٍ 

يهدهدنا كقارب نجاة ..

لعلَّها السبعينيات تعود في الخريف.

 

لم يكن هناك سبب واضحٌ لصمتك. تخيَّلتكِ فجأةً في غرفتك

تضعين كريمَا غالية الثمن لتبقى قدماك بهذه النضارة، 

وأنتِ تقرئين ما كتبته يد الغريب على ظهر أسدين متقابلين. 

ربما كان مطلع قصيدةٍ يحفظها لسيزار باييخو: "سأموت في باريس تحت وابل من المطر".

أو ربما شيئاً لروبرت فروست: " أتعرفيني في العشايا 

كئيباً غبرني السفر؟"

سيترك لكِ الكثير من النقاط المتتالية، 

حتى يتسنى لك السؤال عن "الهنيهةِ التي كنتها من زمان بعيد".

 

في مساء ماطر كان يزداد قتامةً، بعيداً عن مدينتنا الصغيرة جنوب البلاد

حيثُ الحكاياتُ تُطبخُ على نارٍ هادئة

لم أتوقع نهوضك المفاجئ، قرارَ قدميك بالمشي 

بينما ذراعُك تطوق ذراعي. 

الأغنيةُ التي خلَّفناها وراءنا، ها هي تلاحِقنا بملحِ كلماتها

أمسك الكتاب الذي كنتِ تقرئين، أقفز إلى قصة "واريس"

وأقرأ بصوتٍ عالٍ: الذراع في الذراع. رجلٌ وامرأة، وطريق ليلي..."

نتوه في الشوارع، نفترق عند الصيدلية وبائع السجائر

أفكر بأنِّي "سأهبك غزالة" أو أقنعكِ بأنَّ "رصيف الأزهار لم يعد يجيب"

نلتقي ثانية، تبتسمين، أدخن، وفي غرفةٍ نصف مضاءة

عاريين، نعيدُ ترتيب المساء بصمتٍ أقل.

_______________________________

شاعر من الجزائر صدر له "سعال ملائكة متعبين" 2010، و" مائة وعشرون متراً عن البيت" 2012.

 

الصورة من أعمال الفوتوغرافي الإيطالي أمبرتو فيردوليفا Umberto Verdoliva

*****

خاص بأوكسجين

شاعر من الجزائر صدر له "سعال ملائكة متعبين" 2010، "مائة وعشرون متراً عن البيت" 2012، و"الرقص بأطراف مستعارة" 2016، و"يوميات رجل إفريقي يرتدي قميصاً مزهراً، ويدخن L&M في زمن الثورة" 2019....

مقالات أخرى للكاتب