زهرة جهنم | محمد رشو

العدد 213 | 30 أيار 2017

لا أحد ذهب إلى جهنم ولا أحد عاد من الجنة، لكننا جميعاً، قال مضيفاً، خبرنا هذه الأرض، ونستطيع أن نتحدث عن ذلك بوضوح.

قابلتهما في بارين بين كاديكوي باسطنبول والطابق السادس حيث مطعم stradivari مطلاً على ميلان في فخامة إيطالية كلاسيكية لا تُضاهى، وكما يحدث في البارات لم أرَ أي شيء لكنني صدّقتُ كل شيء.

كان يغني:

مي نه نوشي شيخي صنعان غلط،  ئو نه چو ناڤ أرمنستانه غلط.

لم يشرب شيخ صنعان النبيذ سهواً، لم يرتحل إلى بلاد الأرمن خطأً.

وصدّقتُ بأنه كان بطلاً من هذا الزمان، وأنه كان في القفقاس، وكان ضابطاً، وأنه رأى حصاناً يُسرق، وامرأة تُخطَف وطفلاً أعمى يعمل مع قوارب التهريب، وحين صمت لخمس دقائق أهملته يردد بينه وبين نفسه (كُزبرة)، تارة يضيّقُ عينيه، كُزبرة كُزبرة، تارة يغلقهما، كُزبرة كُزبرة، وظلّ يتسلى بلعبته مائلاً الزاي سيناً، قالباً الباء ميماً ثم قال:

كل المنايك يتشدّقون عن العزلة، ولا أحد يستسلم لها حتى يرى زهرتها، ناعمة وتُدعى زهرةُ جهنم، وأردف بحكمة صلبة، زهرةُ العزلة صفراء، ناريةٌ بخمس تويجاتٍ خفيفة على عودٍ أخضر رهيف، من السحر وتُفيد في الباه، أي السيكس، قالها ضاغطاً على أسنانه وكأنه يصحّح خطأ الوجود، وشارحاً أسهب وهو يدير عينيه في البار بثقل:

وأنتَ بين فخذي امرأة، أية امرأة كانت، أمسك زهرة العزلة وقرّبها من الشفرتين فتقفان كأذني ذئب، شمّم فقط لتنفتح عين الظلام، فلا إنهاك لك يا ذكر النحل ولا إجهاد، ثم قال:

احذر ألا تمسّ بتلاتُ الزهرة بشرةَ الزنبور أو جلدَ الحُشفة فتودي بها إلى التيهِ وبكَ إلى الهلاك.

وأراني صورتها على الآيباد وقال: هذه.

دققتُ ولم أستطع، سكرةُ البيرة أشد، لكن فهمتُ أنها وصلت إيطاليا في منحةٍ دراسية، وأن أحد أفراد البعثة الأثرية التي عملت معهم في ترميم قلعة حلب ساعدها، وأنها تعاني من الربو، وهو على قلقٍ أن تنتحر في أية لحظة لولا ملائكة الرحمة، أصدقاء الفايسبوك الجميلين، فسبق لها وأن كتبت ستاتوسات أنها أحضرت مسدساً أو أن تحت لسانها شفرة أو أن فُصَّ خاتمها مليءٌ بلعاب ثعبان من ثعابين الفراعنة.

قلتُ له: هل قابلتها؟

: لا.

وسكت بعدها تماماً، حاولتُ أن ألطّف، وحكيت قصة ريفية ساذجة عن فتى اصطحبه أبوه معه ليخطب له، وعادوا من دون أن يراها، سألوه: ثم؟ قال: أحببتها، صوتها جميل.

ولكن لا، لم يتكلم، ولم يمض أسبوع حتى كنتُ في باص، والباصُ كان على باخرة بين اسطنبول وإزمير لأكون في ميلان فيما بعد، وحتى كانت قد أعيته الحيلة وعاد إلى حرب حلب ليختفي في منزله بعد شهرين حيث سقطت قذيفةٌ ولم يعثر منه إلا على ذراعٍ وقدمٍ ورأس وجذعٍ مشوهٍ لا يمتُّ للبشر بصلة.

في ميلان نمتُ ليلتين، إحداها كانت في نفقٍ لعبور المشاة، وما من حاجةٍ للتباهي ببطولةٍ من نوعٍ ما (كل اللاجئين وحتى غير اللاجئين، ناموا وينامون في الغابات والعراء والأنفاق) والأخرى في فندق Andereola  على بعد ٥٠٠ متر من المحطة المركزية، سينتشرالة، نمتُ ما إن وصلتُ لأصحو في الليل، ولا أجد ما أفعله سوى البار.

حول طاولةٍ خشبية وعلى كراسٍ عالية لا مسند لها، ومع البيرة مرة أخرى، كانت الطيور تحلّق مع فريد الدين العطار وتجتاز الأودية السبعة من الطلب حتى الفناء مروراً بالاستغناء، وكان شيخ صنعان في الدير يقبّل الصليب، نسي الصلوات جوار الكعبة وأخذ يمرح مع الخنازير منتظراً الصدفة التي ستجعل النصرانية تندم بعدما تسقط الشمس قربها.

قالت مي نه نوشه:

حتى غيوم ميلان ليست كغيوم حلب.

وأكملت:

بين الحيرة والحسرة يمتد الكون من اللابداية صوب اللانهاية، لا أخشى أحداً، لا أخشى سوى نفسي، وبالعقلِ البارد نستطيع أن نُدين كل شيء حتى العقل البارد نفسه، لكن هُنا..، وحطت يدها اليمنى على القلب، قلبي، ثم سحبتها لتحطها على القلب، قلبها، وأكملت وكأنها تنيّم طفلاً لا ينام:

الأرضُ على ظهرِ الثور،

الثورُ على ظهر سمكة،

السمكةُ في الفضاء،

توقفت للحظة وأغمضت عينيها وتساءلت:

«وعلى أي شيء استقر الفضاء؟»

شهقت شهيقاً طويلاً، ثم زفرت وهي تهزّ رأسها يميناً يساراً:

«لم يستقر على شيء مطلقاً، فلا شيء إلا العدم».

كانت ميلان تطفو في مياه رأسي، ورأسي كانت على طاولة الخشب تغفو بين غيوم الطابق السادس، قامت لتخرج، بالكاد نظرتُ إليها لألمح وشمَ نبتةِ الكزبرة خضراءَ تلمعُ خلف أذنها اليسرى، كان وجهُها كما بدا في يده في تلك الليلة، أما صوتها فكان متعباً من الربو لكنه كان جميلاً حقاً، بدأ واضحاً ثم أخذ يخفت ويخفت حتى بدا كأنه لا يخرج حتى يصل:

لا أحد

ذهب إلى جهنم،

ولا أحد

عاد من الجنة،

لكننا

جم

ي

ع

اً……

*****

خاص بأوكسجين

شاعر من سورية. من مجموعاته الشعرية: "انتظر الهواء لأمر بك" 2001 و"عين رطبة" 2005

معلومات الصورة
الصورة من أعمال الفنان الإيطالي إنريكو دافيد

مقالات أخرى للكاتب

19 نيسان 2015