روبرتو بولانيو .. سحرية واقعية الأحشاء | زياد عبدالله

العدد 248 | 4 تشرين1 2019

في رواية "2666" للكاتب التشيلي روبرتو بولانيو (1953 - 2003)، يسأل أمالفيتانو (إحدى شخصيات الرواية) صيدلانياً يقرأ الكتب حين يكون مناوباً في الصيدلية التي يعمل بها: أي الكتب تقرأ أو تحب؟ وليجيبه: إنه يحب كتباً من نوع: "المسخ"، و"بارتلبي النسّاخ"، و"قلب بسيط"، و"قصة عيد الميلاد". فيُحزن ذلك أمالفيتانو، ففي إجابة الصيدلاني ما يقول له بأن القراء، ما عادوا يجرؤون على قراءة الأعمال الكبيرة والجارفة، مختزلين كافكا بـ "المسخ" عوضاً عن "المحاكمة"، وهيرمان ميلفل بـ "بارتلبي" بدلاً عن "موبي ديك"، وكذا فلوبير وديكنز، وحضور الأول مقتصر على "قلب صغير" في تجاهل لـ "مدام بوفاري"، بينما يتبدّى من منجز ديكنز المترامي "قصة عيد الميلاد" وتُنسى روايات مثل "قصة مدينتين"، و"ديفيد كوبرفيلد". وليختم أمالفيتانو مقاربته تلك بالقول "يريدون أن يروا المعلمين الكبار في مبارزات تدريبية، لكنهم لا يريدون أن يعرفوا شيئاً عن المعارك الحقيقية".

 

يصلح هذا الاقتباس معبراً للحالة الفذة والخاصة التي تشكّلها هذه الرواية، التي نشرت بعد وفاة بولانيو في مجلد واحد (1195 صفحة في نسختها العربية التي صدرت عن منشورات الجمل، وقد ترجمها عن الإسبانية المترجم السوري رفعت عطفة). وصية بولانيو، كانت تشير إلى نشرها على خمسة أجزاء أي خمس روايات، لا لشيء إلا لاعتقاده بأن القارئ ما عاد يحب الروايات الضخمة "المعارك الحقيقية" بل الصغيرة أو "المبارزات التدريبية"، إلا أن الأوصياء على إرثه قاموا بنشرها كاملة ودفعة واحدة، وليبدو ذلك فعلاً صائباً تماماً، بدليل ما أحدثته في عالم الرواية من صدى وإقبال، بما جعلها تعتبر واحدة من أهم روايات القرن.

 

البدء برواية "2666" هو مفتتح جيد لاقتحام عوالم روبرتو بولانيو، أو الحالة العجيبة والغريبة التي يشكّلها على خريطة أدب أمريكا اللاتينية والعالم، والتي تتعاظم على شيء من الانتشار المتعاظم تحت وابل من الأساطير، التي تتسرب من كتبه وتتلبسه، وقد مرّ على وفاته (16) عاماً، ومازالت روايات جديدة تطالعنا، كان آخرها رواية "روح الخيال العلمي" الصادرة العام الماضي بالإسبانية، وقد صدرت طبعتها الإنجليزية في شهر فبراير من هذا العام.

 

يحلّ بولانيو كاكتشاف جديد في سياق الرواية اللاتينية المجيدة، ويضفي أدبه بريقاً جديداً بعد أن بهت بريق "الواقعية السحرية" التي سحرت كل قارئ على سطح هذا الكوكب، ولعل استعمال ما يرد في روايته الهائلة "رجال التحري المتوحشون"عن جماعة شعرية اسمها "واقعية الأحشاء" في توصيف أدب بولانيو، سيكون بمثابة إطلاق مسمّى ما لمنتجه الأدبي، طالما أن المقاربات النقدية مولعة بهكذا مسميات، ولتكون روايات بولانيو نبشاً في أحشاء الواقع، في عوالمه السفلية، لكن بغرض إلحاق ضربات جمالية مؤلمة به، بالتناغم مع التربيت عليه برقة، وبالتالي الإمساك بتلابيبه وتطويعه، طالما أن الانقضاض عليه يأتي دائماً من مساحة أدبية، ففي "2666" تبدأ الرواية بهوس نقّاد أوروبيين (أربعة نقاد: إسباني وإيطالي وفرنسي وإنجليزية) بروائي ألماني يدعى أرشيمبولدي، والذي لا يعرفون عنه سوى أدبه، هو الذي لم يُر إلا في مناسبات نادرة، بما يقودهم إلى المكسيك بحثاً عنه، ومن ثم انفتاح الرواية على عوالم لا حصر لها، في تتبع لعدد لا متناهٍ من جرائم قتل النساء في (سانتا تِسا) على الحدود المكسيكية الأمريكية.

بينما يكون الراوي في "رجال التحري المتوحشون" الشاعر خوان غارثيا ماديرو، الذي ينضم وهو في السابعة عشرة من عمره إلى مجموعة شعرية تطلق على نفسها اسم "واقعية الأحشاء" أسسها آرتور بِلانو وعوليس ليما، اللذان يحضران في روايات أخرى لبولانيو مثل "تميمة" على سبيل المثال، ولعل بلانِو المعادل السردي لبولانيو نفسه، ومن خلال هذه المجموعة تمضي الرواية من المكسيك إلى شتى أصقاع العالم، في تتبع لمصير الشاعرة سيزارايا تيناجيرو، التي انهوس بشِّعرها بِلانو وليما، وقد اختفت في صحراء سونارا، وصولاً إلى تقديم سرد هائل لأحوال الشعراء في العالم، قصصهم ومصائرهم وطموحهم وخيباتهم، ولنكون حيال خزان حكايا متدفق متأسس كما في "2666" على سردية توالدية، كل قصة تتوالد من قصة، وحينها يكون لكل شخصية حقها الكامل بالظهور والتساوي مع الشخصيات الأخرى، وسرد حكايتها التي لا تخلو من دهشة وإثارة وغرائبية، فبولانيو في النهاية يقدّم سرداً واقعياً لا يستسلم للواقع إلا ليلويه.

 

لن تخفى على القارئ الحصيف "بورخيسية" بولانيو (نسبة للكاتب الأرجنتيني خورخي لويس بورخيس)، هو الذي قال في أكثر من مناسبة بأنه لا يمانع "أن يمضي حياته متمدداً تحت طاولة وهو يقرأ بورخيس"، لكن الخلطة البورخيسية معه تنفتح على تعقيدات العلاقات الإنسانية، وتهجس بواقع ووقائع مريرة، وتترامى عبر السرد، كما لو أننا أمام نهر متدفق هائج يروّضه بولانيو، ويحمّله بقوارب قصصية تصل وجهتها أينما شاءت، وكيفما شاءت! هو الذي يوصف بـ "الوحش الأدبي" نظراً لغزارة إنتاجه، ومن الممكن الإضافة على هذا التوصيف بالقول: إن بولانيو وحش أدبي يُروِّض ولا يُروَّض.

تأتي حياة بولانيو ومماته المبكر ليؤسطرا ما صار إليه من أيقونة أدبية، فهو لم يشهد في حياته هذا الاعتراف الكبير بأدبه، وما يسبغ على تجربته من دراسات وأبحاث، وترجمة رواياته وقصصه وقصائده إلى شتى لغات العالم، بحيث أمسى على شيء من الأسطورة الأدبية، المحاطة بمجموعة من الأساطير، التي صار من الصعب أحياناً فصل الحقيقي عن الملفق منها، فعلى سبيل المثال عاش بولانيو جلّ حياته في المكسيك واسبانيا، وقد عاد إلى بلده تشيلي للمساهمة في دعم حكومة سلفادور الليندي، حيث يتم اعتقاله لفترة لا تتجاوز الأسبوع بعد انقلاب الجنرال بينوشيه، لكن ثمة قصة أخرى تقول إنه حكم بالإعدام وقام بتهريبه من السجن ضابط كان صديقه في المدرسة.

تبدو القصة سالفة الذكر مثالاً حياً للرغبة بتسريب ما يحفل به أدب بولانيو إلى حياته، فهو "أسطورة"، وبالتالي عليه أن يكون مماثلاً للأساطير الواقعية التي يقدّمها في أدبه، خاصة أنه محمّلة بالكثير من حياته، ولها أن تغري بعدم الاكتفاء بما حفلت به أصلاً.

بدأ بولانيو مسيرته الأدبية شاعراً ومؤسساً في عام (1967) لـ "ما دون الواقعية" التي تحضر تحت مسمى "واقعية الأحشاء" في "رجال التحري المتوحشون" ونادى فيها بأن يغوص الشعر في الهوامش والعوالم السفلية، وحيوات أولئك الذين لا يبالي بهم أحد، داعياً إلى التخلي عن كل شيء كُرمى للأدب، ولعل هذا ما فعله تماماً، هو الذي عاش ومات وهو يكتب، كما أن أكثر من مصدر يشير إلى أنه بدأ كتابة القصة والرواية في عام (1990)، ما يقول لنا إن هذا المنتج الروائي والقصصي الكبير، الذي خلّفه نتاج (13) سنة فقط من عمره الوجيز.

*****

نشرت في العدد 33 من مجلة الشارقة الثقافية يوليو/تموز 2019

كاتب من سورية. مؤسس مجلة أوكسجين ومحررها. صدر له: "كلاب المناطق المحررة" (رواية، منشورات المتوسط 2017)، و"الوقائع العجيبة لصاحب الاسم المنقوص" (مجموعة قصصية، منشورات المتوسط 2016)، "محترقاً في الماء غارقاً في اللهب – قصائد تشارلز بوكوفسكي" (ترجمة، منشورات المتوسط 2016)،...

معلومات الصورة
الصورة من أعمال الفنان الكندي فيليب غوستون (1913 - 1980)

مقالات أخرى للكاتب