رصاصة تلثم جمجمة فارغة | علي سباع

العدد 197 | 22 آب 2016

في الخامسة من عمركِ،

ثم في العشرين وما بعدها

كان إصبع والدكِ على الزناد

كان الإصبعُ هادئاً على الزناد

الفوّهة سقفُ الغرفةِ، وأنت تحلمين ..

عانقه بشدّة أكبر :  أطلقني يا أبي.

 

كفتاةٍ ريفيّةٍ يتمتها أمها باكراً

كنت تحلمين بضربةٍ قريبةٍ من قلبِ رجلٍ، أيّ رجلٍ

أكثر من أن تطيشي في الهواء بحثاً عن حمائم مسافرة.

 

كم أنت بعيدة

كذكرى عابرة

ومباركة كالشيء بالشيء يُذكر.

 

الرصاصة المعكوفةُ كخفّي ناقةٍ والمصقولةُ كخشب آلة العودِ، الرصاصةُ الربطة في العنقِ كغصّة الخسارةِ، النائمةُ كورقة تحليلِ دمٍ والبريئةُ كفوبيا الفستان الأبيض، لم توقظها أخبار السابعةِ ولا منبّه الانتقام كأنها عين طبقة الأوزون، وليس في الحجرات الأربعِ أبوابٌ تفتحُ جنائنها النظرات، الرصاصةُ التي تركتني حيّاً، الوحيدةُ التي تستأذنُ : رصاصة الرحمة، أنتِ.

 

طبقاً لنظريّات الفيزياء الحديثة

كان والدكِ هواءٌ، وكانت سرعتكِ تعيدكِ للوراء

والآن .. أعني حين نلتقي، سأتذكرُ لأخبرك بالمستقبل.

 

أغازلك .. بالتي قتلتْ أباها.

 

الفتاة التي تعيشينها، لم تكن في حاجةِ إصبعٍ يضغط الزناد

لتخرجَ من منزلها صباحاً، أو  لتعود مساءً

كانت بريئةً وبسيطةً

حدّ أنها تخرجُ بمزاجيةٍ تامةٍ، صانعةً صدفةً مميتةً في لحظة.

 

كان سرّكِ الوحيد: أنّك مرّة دخلتِ في قلبِ رجلٍ وخرجتِ من ظهره.

 

حين أحبّكِ، حين يحدث هذا الموجُ : أن أتخيّلني جاثياً على ركبتيّ، تربطُ يديَّ الكتابةُ ويُعصّب عينيّ قماشة الأطفال الذين يضحكون أمام الموت، ثم أنتِ ترتطمين بجبيني وتسقطين على التراب، يا لك من عاشقةٍ أثيرة ويا لي من جمجمةٍ فارغة.

 

في السياسة، وربّما في الموتِ أيضاً: لا يوجد عدوٌ دائم.

 

حين التقينا، كنت تكررين قول كاتبٍ أرجنتيني :

الفتاةُ التي تقتلكَ، تحبّك ..

أنا جرحكَ الآن، اختبرني مرةً أخرى ..

 كان عليّ أن أختار بين العشرة الطيبة و الثقوبِ السوداء، بين الموت وحيداً تملئني تجاعيدُ الشعر أو شهيداً يدفعكِ بكلتي يديه، أيتها الخطيرةُ.

انتبه لرأسك أيّها العالم.

*****

خاص بأوكسجين

شاعر من السعودية. من مجموعاته الشعرية: "بأبواب المدينة كلها" 2011، و"نزهة الهارب ومشيئة الغريب" 2015.

معلومات الصورة
اللوحة من أعمال الفنان الفرنسي مارسيل دوشامب (Marcel Duchamp)