رجل أسود يحدق في رجل أبيض | محمد رشو

العدد 164 | 30 كانون1 2014

سيحبك، لا تقولي له: ما بك؟

اتركيه هناك وامضي.

تدّبري شؤونك، تسوقي جيدا، انتبهي هناك تنزيلات على ملابس الشتاء، لا تنسي شراء جهاز تحكم جديد مع بطاريات أوريجينال، لا تغني لأحد عن الحب والجبل البعيد، اعملي كبغلة، ادخري جيدا، قولي لأمك: أشعر أني عجوزة، كبرتُ أمي وصارت لي أمراضي، لا تلومي أبيك لأنه يدخن ولأنه كان يغيب عن البيت ولأنكم كنتم تتشاجرون وتكبرون في غيابه، أخبريه وأنتما في المطبخ أن يحكي لك الحكاية نفسها، كيف أن طبيب في الشام قلع بظفره القشرة عن ندبة التهاب الدرقية على عنقك، وكيف أنك تبولت في ثيابك حين أخذك إلى مدينة الألعاب في عيد الأضحى، في عيد ميلادك التاسع، لا تكثري من الجلوس أمام اللابتوب، غيّري عاداتك، غيري اسمك، اكسسواراتك، خط حاجبك، ماركة فوطك، نوع العجين الذي تستعملينه في نزع شعر ساقيك، قفي أمام المرآة وأنزلي البيجاما ورددي: أنا أملك أجمل مؤخرة في العالم، اصطادي أزعرا، مشردا، مخمورا ومارسي معه الجنس واتركيه يشخر لترفسيه إلى الشارع في الصباح، احملي بطانية وابريق متة وتمددي أمام التلفاز وافرحي بجهاز التحكم الجديد، شاهدي ريبورتاجا عن تكرير النفط، رقصا على الجليد، كاميرا خفية في مطعم، قطيع ذئاب يغافل قطيع غزلان، فيلما بالأبيض والأسود يجلس فيه زنجي في مكتب بهوليوود، ويتكلم بغضب مخاطبا رجلا أبيض يقف أمام آلة كاتبة: "أنا قط حقير من شوارع هارلم، وأنت يهودي من الطبقة الوسطى"، ينبغي أن نضرب قبل أن نُضرب، وثم يرفع زاوية شفته العليا قليلا وبخفة في حركة ازدراء واضحة، ويكمل: نورمان لطالما كان لديك شيء لتحتفظ به بينما أنا لم أحظ بشيء أبدا لأخسره ، اغفي قليلا، لا بأس، لكن لا تنامي بمثانة ممتلئة، لا تنامي أبدا، وإذا نمت ابتعدي عن المدفأة، أديري ظهرك للبحر في الميناء وللحرب في حقول الزيتون، وانظري، انظري إلى السهول، بعيون مغمضة انظري حتى تبصري رجلا صغيرا بحجم الإصبع يتمدد في ظل عباد شمس وخلفه أكوام القش، لا تقتربي منه، ولا تنفخي عليه، اتركيه هناك نائما، وامضي،

لا تقولي له: ما بك؟

سيحبك.

***

 

سوليداد

كنت أنكح ميتة. كانت تنوي أن تفر من مجازر ستحدث، وكنت على وشك أن أصبح قاتلا وأتذكر القصص كيلا يخطفونني، وكنت أظن أن خوفها مني سيزول، وسيزول خوفي منها إن تركت كفي بين الثديين والكفن، لم يكن لها اسم بعد، ثم صارت لها كل الأسماء، وكانت تفتح عينيها البيضاوتين كلما سقطت فوقها، وثم تظل تضحك حتى أستيقظ، فلا أشم سوى رائحة الخطيئة، وأبقى في مكاني لأرى حيوانات ليلية تصعد سلالم الدرج وتنبش في أكياس الخبز ، ولأرى نهرا قريبا يجري بين أشجار القطلب فيما كنا نظنه أمطارا تهطل منذ يومين.

يمر الأحد أيضا وأنا أغبط الكلاب التي تنام مطمئنة ولا تفكر في الرب، تغضب وتنبح، تجوع وتنبح، تخاف وتنبح، وكنت أقرأ ابن سيرين كيلا أشعر بالندم، ولأعرف كيف تولد الحدود من الحروب، وكيف تنبت الغابات بين الدول وثم كيف تنشب الحروب على الحدود، كنت أنكح ميتة، وثم كلما كنت أنكح امرأة تحيا معي، كنت أعرف أني ميت، وكنت أشتاق لشتاء حلب فيما مضى، كان لك شعر أسود طويل وكنت تخفين كسرا قديما في إصبع من أصابع يدك اليسرى، تراوغين وتتظاهرين بأنك تضغطين على منديل كلينيكس وثم تقولين ونحن تحت شجرة: انكحني في رأس السنة لألد لك في أيلول إبنة تشبهك، وكنت أصدق كل ما تقولينه، وأظل أمسد فرجا في رواية قديمة حتى يترطب لساني، وأرى فم الوردة المظلم وأنادي: سوليداد، وأردد سوليداد حتى لا تعود سوليداد سوليداد، ولا تعود تعني اسما، مرضا، كلمة، تعني لا شيئا، ولا تغدو سوى موسيقى جناحين، ظلا غريبا لطائر أليف يحوم حول شجرة قطلب حيث تنام الكلاب مطمئنة، ويجري نهر صغير قربنا فيما كنا نظنه أمطارا تهطل منذ يومين.

____________________________________

شاعر من سورية

 

الصورة من أعمال التشكيلي الفرنسي جورج رووه (1871 – 1958م)

*****

خاص بأوكسجين

شاعر من سورية. من مجموعاته الشعرية: "انتظر الهواء لأمر بك" 2001 و"عين رطبة" 2005

مقالات أخرى للكاتب

19 نيسان 2015