حين يصير الشعر فسحة نجاةٍ حرة | نجيب جورج عوض

العدد 193 | 20 حزيران 2016

          يمثل الشعر مرآة لغوية لحراكات سوسيولوجية وثقافية وانثربولوجية تمر بها المجتمعات، ولا يتوقف عند كونه أداة جمالية وتعبيرية فقط. من هنا فإنَّ تتبع الحراك الشعري في المشهد الثقافي السوري، أو في سواه، لا يروي فقط حكاية ظهور قصيدة النثر والشعر الحر في سوريا في الربع الأخير من القرن الماضي وانتشارها الواسع اليوم بين الكتاب الشباب (وإن لم يكن القراء بالضرورة)، بعد عقود طويلة من هيمنة قصيدة التفعيلة والشعر العمودي. يروي الشعر أيضاً حكاية انتقال شريحة من الشارع السوري الشعبي من مرحلة تاريخية وسوسيولوجية حداثوية مثـّلها شعراء نثريون كانوا رواد قصيدة النثر في العقود الماضية، نحو مرحلة تاريخية وسوسيولوجية ما بعد حداثوية يمثلها شعراء معاصرون مختلفون عن الرواد السابقين لا في أساليب الكتابة النثرية والمخزونين اللغوي والتعبيري وطرائق الإبداع فقط، بل ويتمايزون عن الشعراء الأول في تركيبتهم الفكرية ومخيالهم السوسيولوجي ورؤيتهم للعالم ولذواتهم، والأهم لعلاقتهم بالسياق التاريخي ودورهم فيه. قصة قصيدة النثر في سوريا هي قصة عبور للشباب الشعري السوري من آليات تفكير معينة نحو آليات تفكير أخرى.     

          علينا برأيي أن نتحدث عن فريقين من كتاب قصيدة النثر في سوريا، فريق حداثوي وآخر مابعدحداثوي. أفضِّل هذا التقسيم على محاولات أخرى تقسم تاريخ قصيدة النثر في سوريا إلى عقود زمنية (جيل السبعينات، الثمانينات، التسعينات، الخ) أو تقسم ذاك التاريخ إلى تيارات وتأثيرات ترتبط بتجارب شعراء محددين وتأثيرها على من تبعهم من كتاب من جيل آخر (مثل القول بأنَّ كل شعراء النثر الحاليين في سوريا أو معظمهم خرجوا من عباءة محمد الماغوط). أفضل شخصياً أن أقرأ قصة قصيدة النثر السورية على أنها قصة تجربتين شعريتين أتباعهما ينتمون لعقود عمرية ومراحل تاريخية متقاطعة ومتزامنة وليس بالضرورة متعاقبة زمنياً، وأنَّ بعضهم تأثر بأكثر من تجربة شعرية أو لم يتأثر بتجارب محلية أصلاً: شعراء ينتمون لمخيال سوسيولوجي ثقافي حداثوي، وشعراء آخرون ينتمون لمخيال سوسيولوجي ثقافي مابعدحداثوي.

          صنع الشعراء السوريون النثارون الحداثويون تجاربهم الشعرية في إطار تفاعلهم مع سياق مجتمعي جمعي بطبيعته، أيديولوجي في ميوله، مساحة الخيار الفردي والتمايز الذاتي فيه ضيقة وغير متاحة غالباً. ولهذا، فقد عبّرت إبداعاتهم عن رغبة بلعب دور فاعل تحريري وتغييري في هذا المجتمع ومحاولة لأخذ الشارع الثقافي نحو فضاءات حداثوية جديدة تبدّت في رفضٍ للموروث التقليدي المتمثل بالشعر العامودي وشعر التفعيلة وفي تحميل الشعر البديل الحر والنثري  أفكاراً وطرق تعبير قدمت نفسها على أنها رفض للممنوع وتحطيم للتابوهات المجتمعية العامة، سواء أكانت سياسية، ثقافية، دينية أو حياتية. ولأنَّ هذا الشاعر التحديثي عاش في كنف نظام حكم عسكري استبدادي تعاقبت أوجهه ورموزه على تدمير البلد وتميزت بقمعيتها (كأي حكم عسكري) وبدوغمائية وشمولية آليات إدارتها للشارع وبتقييدها للحريات ورقابتها على الإبداع وتدجينها له، فقد وجد هذا الشاعر الحداثوي نفسه يكتب قصائد نثرية تنحو نحو الترميز والتشبيهية والمواراة حتى في إطار تعبيرها عن اليومي والمعاش. في شعر النثر الحداثوي في سوريا، يمكن أن نلمس رغبة عند الشاعر السوري بلعب دور تحريري تقدمي لا لذات الكاتب ولقارءه الخاص بالضرورة، بل للمجتمع السوري برمته (كأي مناضل ثوروي جاء من رحم منطق الإيديولوجيات الحداثوي). وقد جعل هذا من تركيز قصيدة النثر على اليومي والمعاش ومن أسلوبها المتحرر من التفعيلة والبحور مرآة لذهنية المجتمع الجمعية ولمنطق يرى في الشاعر الحداثوي "رسول في مجتمعه، يبدع لتحرير الآخرين."

          قصة جيل شعر النثر ما بعد الحداثوي في سوريا مختلفة تماماً في ملامحها الفكرية ومقوماتها السوسيولوجية، وبالتالي في طبيعة آليات تفكير وإبداع أتباعها. نشأ العديد من شعراء النثر السوريون المعاصرون (أذكر منهم على سبيل المثال لا الحصر زياد عبدالله، حسام جيفي، محمد دريوس، ندى منزلجي، هنادي زرقة، هالا محمد، رشا عمران، جولان حاجي، عماد موسى، لقمان ديركي، لينا الطيبي، أكرم قطريب، فراس سليمان، كاتب هذه السطور وكثر آخرين أتأسف على عدم اتساع المجال لذكر أسماءهم) وطوروا تجاربهم الشعرية الإبداعية في سياق سوسيولوجي سوري كان مايزال يتصف بالقمع والشمولية والأدلجة التي عانى منها جيل شعراء النثر الحداثويين الذي أثروا بتجاربهم الرائدة علينا بشكل قوي (أمثال أدونيس، محمد الماغوط، منذر مصري، عادل محمود، بندر عبد الحميد، رياض الصالح حسين، نزيه أبو عفش، نوري الجراح، وسواهم كثر أيضاُ لا مجال لذكرهم هنا). إلا أننا كشعراء نثر نختلف في تعبيرنا عن اليومي والمعاش وفي آلية تفكيرنا بدور الشعر وبدور الشاعر في الحياة اليومية وعلاقته بالواقع عن هؤلاء الرواد في الأمرين التاليين:

          عندنا أولاً، برأيي، رد فعل تجاه القمعية والشمولية في المجتمع يختلف في أدواته وتعابيره عن رد فعل شعراء النثر الحداثويون. عوضاً عن السعي لتحطيم تابوهات المجتمع وأصنامه الإيديولوجية، يميل شعراء النثر مابعدالحداثويين في سوريا إلى تجنب هذا الواقع وعدم الاكتراث به أو إبداء أي رغبة فعلية بتحطيم أي شيء؛ لا لأنهم لا يكترثون بسلبيات تلك القمعية والشمولية ولا يرفضونها، بل لأن ما يشغل الفريق الجديد من شعراء النثر ليس هاجس توظيف الاهتمام باليومي والمعاش في أي عمل تحريري أو تغييري في حياة الناس أو فكر الآخرين. لقد انتقل شعراء النثر السوريين من منطق "أريد أن أكون محرِّراً ومغييراً للمجتمع" إلى منطق جديد يقول "أريد أن أكون ذاتي وأعبِّر عنها بحرية". ومن حالة "الرسولية" (من حمل رسالة للآخرين) و"الريادية" التي غلبت على شعر النثر الحداثوي للرواد المذكورين، انتقلنا نحن شعراء النثر ما بعد الحداثويين إلى حالة من "اللامبالاة" بأي رسائل ومن اللامبالاة بقول أي شيء هدفه تحرير الآخرين أو تغيير نظرة المجموع لليومي والمعاش. عندنا هنا انتقال من توظيف الحديث عن اليومي والمعاش في محاولة "تغيير عام" إلى مرحلة "لا-توظيف" قوامها ميلٌ إلى "التعبير الفردي والخاص عن الذات"؛ عن هواجس الشاعر الشخصية ورؤاه الحياتية واليومية الخاصة.

          أما الفرق الثاني بين تجربتي الشعر النثري المذكورتين والتعويل على اليومي والمعاش في البنية الشعرية في سوريا فيكمن في علاقة شاعر النثر السوري المعاصر بالمجتمع الذي يعيش فيه. لا يحمل شعراء مابعدالحداثة السوريين فكراً جمعياً واحداً جامعاً ولا يتبنون رؤية ثقافية واحدة ولا تعكس إبداعاتهم تأثراً طاغياً مشتركاً واضح المعالم يمكن للمرء أن يستخلص منه منابع الإبداع التي أثرت عليهم أو صنعت تجاربهم الشعرية. فريق الشعر النثري مابعدالحداثوي، وبالرغم من استخدامه لأدوات تعبيرية ومخزون لغوي يومي وعام متشابه، هو مجموع أفراد متشظون فكرياً، لا يكترثون بأن يجدوا أباً شرعيا،ً أو أباً واحداً مشتركاً، أو حتى أباً بالمرة، لخياراتهم الشعرية ولا يعنيهم كثيراً أن يثبتوا مشروعية وقيمة تجاربهم الشعرية بأن يعزوها مثلاً إلى تتلمذٍ على مدرسة شعرية معينة أو إلى تراكمٍ معرفي ثقافي لطالما درج شعراء النثر الأول في سوريا على إعادة خياراتهم الشعرية وتأثرهم الثقافي إليها. سواء قبلنا هذا أم رفضناه، لا يمكن إلا أن نلاحظ أنه يغلب على تجاربنا الشعرية النثرية اليوم في سوريا طابعي الفردية والشخصانية ونهجس بمحاولة أن لا يشبه العمل الشعري للشاعر إلا ما يرضيه هو أو هي. تصبح اللغة اليومية والمشاهد المعاشة الواقعية الموظفة في العمل الشعري مجرد مشاهدات فردية نسبية وسياقية محضة. شعراء النثر المعاصرين في سوريا لا يبغون خلق تيارهم الخاص الجمعي، ففكرة "الجمعي" ما عادت تعنيهم حقاً. وهم لا يبغون بالتركيز على المعاش واليومي أن يصنعوا فرقاً فكرياً أو ثقافياً إبداعياً واضح المعالم ومحدد الخواص في فكر المجتمع وذائقة القراء، ففكرة "يصنع فرقاً" لا تمثل قيمة عظمى أو طموحاً، وفكرة "تغيير فكر المجتمع" و"ذائقة القراء" ليست بالنسبة للشعراء المذكورين مشروطات تحدد الطبيعة والسوية التجديديتين  في عمله الشعري ولا تقرر لها ديمومة شعرها من عدمها.

          قد يقول أحدهم أنه لا يمكن أصلاً الحديث بعد الآن عن مشهد شعري سوري كون صنَّاع مثل هكذا مشهد باتوا اليوم خارج حدود الجغرافيا السوية بسبب وجود كل شعراء هذا الجيل من السوريين على الأغلب خارج أرضهم الأم. وقد يقول أحدهم أنه في قلب الحرب والصراع للنجاة من الموت لا مكان للشعر والحديث عنه. هذا كله صحيح ولا يجب التعامي عنه بالتأكيد. ولكن، المشهد الشعري لأفراد من البشر المنتمون لخلفية مجتمعية وثقافية وسياقية مشتركة لا يصنعه أصلاً تواجد هؤلاء البشر في نفس الحيز المكاني-الجغرافي ولا تقرر وجوده من عدمه حالة وظروف بلد أولئك البشر المعيشية أو الوجودية. الحالة الشعرية تنتج عن تجربة صناعها من البشر وكيفية تفاعلهم مع مفاهيم المكان والزمان والجغرافيا والموت وسواها، حتى ولو لم يكونوا جزء ما أو ضحية مباشرة من ضحايا الظروف المحيطة بالمكان والزمان والسياق السوري. مازال الكثير من جيل شعراء النثر السوريون، حتى بعد خروجهم من سوريا، يكتبون الشعر ويشركون العالم بتجربتهم الشعرية والنثرية في فضاء الشبكة العنكبوتية.

في ضوء هذا الحراك الشعري الانترنتي المذكور، أقول أنَّ تجربة شعر النثر السوري مابعدالحداثوية تفتح بلا شك آفاق لغوية جديدة وتجدد الدم الثـقافي والإبداعي في المشهد السوري الشعري. وهو نوع من التجديد لم تكن برأيي لتصنعه الجغرافيا أو مجرد وجود هؤلاء الشعراء في سوريا، مثلما أن فتح تلك الآفاق غير مرتبط أبداً باعتقادي بحقيقة أن عدد من يحاولون الكتابة النثرية (من لا يفهمون الفرق بين "الشعر" و"الشعوريات" في معظم الأحيان) إلى ازدياد مضطرد، بحيث باتت كتابة الشعر لعبة وتسلية من لا شيء آخر له ليفعل. مع ذلك، ينبغي القول أنَّ من يكتبون الشعر النثري السوري مابعدالحداثوي يفتحون آفاق لغوية جديدة ويجددون الدم الثقافي في المشهد السوري يفعلون هذا بشكل متشظي ونسبوي وفردي وغير ممنهج. يبلغ التشظي درجة تجعل من الصعب علينا اليوم أن نتحدث عن حراك شعري نثري معاصر واحد وحيد ومتماسك ذو هوية واضحة المعالم وحضور بنيوي قائم بذاته يُعرِّف الشعر النثري في سوريا. ما نجده هو جزر شعرية متباعدة يحاول الناجون عليها أن ينالوا بتعبيرهم عن اليومي والواقعي المعاش قسطاً من الحرية ومن إمكانية التعبير عن توقٍ جارفٍ للمستقبل وأن يجدوا فسحة لتفريغ طاقاتهم وقول أحلامهم وآلامهم في ظل سياق سوسيولوجي سوري عام مازال يحرم الشباب من الحرية وتحقيق الذات ويدفعهم لحافة القنوط واليأس من أي أمل بتغيير جماعي عام يقلب المجتمع برمته رأساً على عقب. يغرق الشعر النثري السوري سيكولوجياً ووجودياً في بحيرة من اليأس والعدمية والسواد تغذيها ينابيع الدمار والحرب والموت التي تسمم شرايين الحياة في بلدهم الأم.  

          من هنا، تمثل قصيدة النثر التي نكتبها، بالتصاقها باليومي والذاتي والواقعي البسيط والمعاش، بتشبثها بتلابيب الهوس بالنجاة وتفجير البؤس وعلك الهباء، ملاذاً لنا نحاول فيه العيش أحراراً فكرياً وشعورياً على الأقل حيث عجزنا عن ذلك مجتمعياً وواقعياً في بلد تمت تسويته بالأرض، منهمكين حتى النخاع بمحاولة الوصول إلى المستقبل، إن لم يكن إقناع أنفسنا بوجوده المجرد، واكتشاف المختلف بشكل فردي وشخصي حيث عجزنا عن الوصول إلى هذا المستقبل كمجتمع وكشعب وكبلد. تمثل قصيدة النثر مابعدالحداثوية السورية آخر قشة يتعلق بها جيلنا للنجاة، للوجود، للإحاطة بمعنى الوجود البشري. تبقى تلك القصيدة فسحة عيش وحلم وبوح لذات كتابها، وربما لقراءها أيضاً، في واقع السوريين الحالي. إلا أنَّ علينا أن نعترف أن شعرنا النثري لم ينجح بتقديم نفسه (كما فعل شعر الحداثة لمن سبقونا، ربما) كنافذة ومتنفس للتعبير عن مكنونات أهلنا وأبناء بلدنا في الشارع السوري العام الحالي بدماره ودركه القاتم الرهيب. أسمح لنفسي بالقول أننا لم نتمكن (أو ليس بعد على الأقل) بمحاولتنا الواضحة للحديث عن اليومي والمعاش بأن نجعل السوريين داخل وخارج سوريا ينظرون إلى إلى تجاربنا الشعرية على أنها كذلك. هل سنفعل ذلك يوماً؟؟ ربما، ولكن لأجل أي سوريا؟؟؟ 

*****

خاص بأوكسجين

شاعر وباحث أكاديمي وأستاذ جامعي من سورية. من مجموعاته الشعرية: "طقوس حافية" 2003 و"على شفتي قبلة لن أحصل عليها" 2009.

معلومات الصورة
الصورة من فيلم "النهاية" للمخرج المغربي هشام العسري