حوارية النافذة | برهان جول

العدد 170 | 2 نيسان 2015

- كم يبلغ ثمن نافذة لا تطل على شيء؟

- لا أعرف! ربما يمكن الحصول عليها مقابل آخر ثلاثة مشاهد مروّعة وقعت عليها!

- هذا ثمن بخس، يمكن أن أعطيك مئات ومئات المشاهد.

- هل رأيتها جميعاً؟

- بعضها رأيتها بأم العين وبعضها بأختها والكثير منها بأم الأذن أي أنني سمعت بها، هل أبدأ بأن أهبك تلك المشاهد؟

- لا أرجوك، يكفيني ما أسمعه ليل نهار، انس أمر ما سألتك إياه، وأنا سأعطيك تلك النافذة التي لا تطل علي شيء مقابل تعهدك بألا تعرض النافذة لأي من المشاهد.

- أتعهد بذلك.

- هي لك إذن وهي مفصّلة خصيصاً لئلا تطل على مشهد.

- وهذا ما أريده تماماً، كل الامتنان والشكر يا سيدي.

 

(بعد مرور زمن يصعب تقديره جراء ظلمته وتعكره)

 

- لماذا ورطت النافذة بالمشاهد أيها الوغد، ألم تعدني بألا تورطها بالمشاهد؟

- لم أستطع! لم أقو على مقاومة إغراء الإطلالة، على كل أنا لم أورطها في مشاهد كثيرة، هو مشهد واحد فقط ثبّتها عليه، ولم أدع لها أن تتسع لمشهد آخر.

- إذن سآخذ النافذة واستبدلها بأخرى تطل على جميع المشاهد.

- لا أرجوك!

- سآخذها، هي لي ويمكنني أن أنتزعها برمشة عين فماذا أنت فاعل؟

- لا شيء، أنا لا أعارض أن تأخذها وتحرمني منها، وأعرف أن ليس بمقدوري أن أقوم بشيء حيال ذلك، لكن أرجوك ألا تستبدلها بنافذة تطل على كل المشاهد، أرجوك، أتوسل إليك.

- حسناً سأكتفي هذه المرة بأخذ النافذة التي لطختها بمشهد واحد، وها أنا أتركك من دون نوافذ عقاباً لك.

- كل الامتنان والشكر يا سيدي.

 

(بعد مرور زمن يصعب تقديره جراء ظلمته وتعكره)

 

- لم يتغير شيء عندك، ما زلت على ذاك المشهد الذي ألصقته بالنافذة، وكل ما تقوله يصف ذلك المشهد، أوقفت الزمان والمكان وكل شيء عنده، وأنت حتى عاجز عن أن تراه وتعرف ما الذي حلّ به.

- هو هو، عظمة ذلك المشهد محت لدي كل المشاهد. 

- خذ إذن هذه النافذة المطلة على كل المشاهد، وانظر كم أنت مخطئ؟

- كل الامتنان والشكر يا سيدي.

 

(بعد مرور زمن يصعب تقديره جراء ظلمته وتعكره)

 

- لم يتغير شيء لديك أيها الوغد، ما زلت ثابتا على ذلك المشهد، وكل ما تقوله يصف ذلك المشهد الذي ما عاد من شيء متواجد منه، لقد اندثر، لقد انمحى تماماً.

- لم أعد أرى إلاه.

- اللعنة وألف لعنة عليّ، كان يجب علي أن أعرف من البداية أن العلة كامنة بالعينين وليس بالنافذة.

- كل الامتنان والشكر يا سيدي.

____________________________

كاتب من سورية

الصورة من أعمال التشكيلي الإيطالي توني ديميرو

*****

خاص بأوكسجين