حسابات مؤجلة | جميلة عمايرة

العدد 203 | 29 تشرين2 2016

استعرضتُ وجوه قتلاي وجهاً وجهاً، وأحصيتهم جثةً إثر جثة:

كاتبٌ بائسٍ يخلعُ صاحبه دائما.

عجوزٌ يستمني كثيراً بلا جدوى.!

آخرُ يريد مضاجعتي مرة واحدةً  كل نصف ساعة فقط، توسلته ألا يتركني، إذ ما الذي سأفعله بالنصف الآخر من الساعة سوى مضاعفة شهوتي؟!  ولم يذعنُ لتوسلاتي، يرتدي ملابسه على عجلٍ ويخرجُ منتصراً بفحولته.

ذلك الوسيم الجذاب، لطالما احترقتُ بنار اشتهائه، ولم أستطع أن أتواصل معه بالطريقة التي أحب.

كان في كل مرة نلتقي فيها يروي نكات فاحشة تهيجني بقدر ما تضحكني، مؤجلا رغبتي إلى المرة التي تليها.

يلزمنا طقسٌ خاص يليق بك. يقول.

لقد استطاع خداعي عشرات المرات باقتدار.

هنالك رجل برأس  كالأفعى السامة: أنيقٌ وهادىء، مسالمٌ  وطيب، إلا أنه يلدغ صاحبه في كل مرة يشعرُ فيها باقتراب الحبل من عنقه فينسحب بهدوء لصٍ محترف.

أحدهم أثار استفزازي بطريقة أربكتني: فلقد تكرر حضوره في أحلامي إلى درجة بات فيها الرجل الملازم لي في السرير. كنت أصحو من نومي وأصرخ من هول ما يحدث لي: كان يواقعني في كل ليلة بإصرار عجيب منه وبلا رغبة مني.

غير أن ما أثار رعبي، إدعاء علماء النفس أن هذه أموراً تحدث في اللاوعي، وإن صدف وتحققت في الحلم فهذا دليل على ما يتمناه المرء في أعماقه!

نحن نحلم بما نرغبه بقوة ونتمنى حدوثه.

يا إلهي، لقد استدعى الامر أن افكر بأفضل طريقة لأبعده ويكف عن مضايقتي إلى أن خلصت لأبسط الحلول وأسرعها: القتل.

ثم كان ذلك الرجل الفزاعة. لقد ضللني بأسوأ مما توقعت: رأيته شامخاً بكبرياء،  بنيت أحلاماً وآمالاً، رغبات لا حدود لها، أردته ان يكون آدمي الخاص بي، قامته الفارعة، شعره الناعم المسترسل فوق كتفيه. أحب الرجل بشعر طويل، تلك كانت صفاته أو سماته البارزة، ولكن سرعان ما انهارت أحلامي وتوقعاتي كقصور أطفال مشيدة في الرمال: كان فارغاً أجوف كفزاعة الحقول.

وغدٌ آخر لسانه بطول شوارع مدينتي  المتصلة  والمتفرعة، المأهولة  والمقفرة، الممتدة والضيقة، لا يفعل شيئاً سوى إيذاء الآخرين والوشاية بهم.

رغم غيابِ ما يشير إلى التوجس  إلا أنني أحسست بأن هنالك ما ينبغي لي تتبعه: ضوء معتم، رائحة، دليل خفي، سلوك أرعن، خيط لا مرئي أبيض أو أسود، وعلَي تتبع  الخيط حتى تتبين الأمور.

حسن  إذن. هذا مؤشٌر جيد.

التقيته بقاع المدينة، أخذ يشكك بأشخاص كانوا أصدقاءه، لحسن حظي أو سوء حظه كانوا هم أصدقائي!

ذهلت.

أخذتُ استمع إليه بهدوء واهتمام إلى أن انتهى من سرد عشرات القصص التي أدركت زيفها، بسبب معرفتي بعدد من الأشخاص الذين وردوا فيها.

أيها الوغد. قلت لنفسي، ستكون رقماً جديداً يضاف إلى قائمة قتلاي.

هكذا تم الأمر. إلى أن انتهيت منهم جميعاً.

أجل. أجل. لقد قتلتهم بضمير نقي صاف.

 

فيما بعد سارت حياتي بهدوء وسكينة لا يعكر صفوها شيء. إلى أن نهضت ذات ليلة وكنت أرتجف هلعاً ورعباً:  كنت محاصرة بعيون محدقة بي على اتساعها ترمقني باستهزاء ساخر، ذات نظرات متوعدة ومهددة، غاضبة تمتلىء حقداً وغضباً وتتأهب للانقضاض علي! ثم تحولت لتقذفني باللهب في الليالي التالية.

يا إلهي. ما الذي يحدث لي؟

أين أولي وجهي؟

أشعلت الضوء، انتحيت ركناً قصياً، وأخذت أفكر من جديد: ماذا فعلت؟ ما الذنب الذي اقترفته في عتمة ليل؟

هل يستحق الأمر ولو كان بأسوأ صورة، هل يستحق القتل؟ كيف أقدمت أنا الفتاة الطيبة الجميلة المسالمة على فعل كالقتل؟ وهل كنت أنا نفسي ذاتها حينما أقدمت على قتل هؤلاء الأوغاد؟ أكانوا يستحقون القتل، أم هو مجرد تمرين صعب صدف وأن تحقق؟ أم  أن هناك إنفصام في  شخصيتي؟ أم أنني أهرب من واقع لآخر كما يحدث لي في أحلامي؟

بتُ لا أعرف نفسي.

لقد نجحت في قتلهم للأبد ..الأوغاد!  هذا ما ظننته، لكنني لم أتخلص من عيونهم، فهي تأتيني في أحلامي وتغزوني في يقظتي، ولم أستطع احتمالها!

ماذا سأفعل؟

يجيء الموت سريعاً وخاطفاً. فكرت مندهشة بهذا الخاطر. وكانت حياتي قد تحولت إلى جحيم حقيقي، ثم بثوان كالحلم، امتدت يدي وسحبت الكرسي إلي، وقفت فوقه، أمسكت بحبل الإضاءة المتدلي، أحكمته حول عنقي، وبحركة خاطفة خالية من أي ترددٍ سحقته بعيداً  بقدمي، بدأ جسدي يتأرجح يميناً ويساراً، شهقتُ بعمق وأغمضت عيني.

هكذا أكون بلا أحلام تحرقُ ليلي بتلك العيون أو تلهبُ فِراشي باشتهاءات ناقصة أو فائضة.

*****

خاص بأوكسجين

قاصة وكاتبة من الأردن. من أعمالها: "صرخة البياض"، قصص 1993، و"سيدة الخريف"، قصص 1999، و"الدرَجات"، قصص 2005، ورواية بعنوان "بالأبيض والأسود" 2006.

معلومات الصورة
الصورة من أعمال الفنانة العراقية نوال السعدون