جيرار دي نيرفال: بـطـل السراب
العدد 236 | 14 تشرين الأول 2018
أحمد الزناتي


في كتاب “ست نزهات في غابة السرد” يصف أومبرتو إيكو قصة “سيلفيا” للكاتب الفرنسي جيرار دي نيرفال (1855-1808) بأنها  أجمل كتاب كُتب حتى الآن، مؤكدًا أنه لم يتوقف عن إعادة قراءة النص، والكتابة عنه. وحينما سُئل إيكو في حوارٍ صحفي: “ما الذي يجعلنا نعشق امرأة دون أخرى؟”،  أفلتْ من الإجابة عن السؤال الماكر بإجابة أشـدّ مكرًا: “ثمة ظواهر مختلفة للعشق، وإعادة القراءة واحدة منها”.

أفرد إيكو في كتابه السابق أكثر من فصل لتحليل قصة “سيلفيا”، متوسلًا برسوم بيانية وجداول معقدة، في محاولةٍ لفكّ شفرات النص، مُبرزاً تعليق مارسيل بروست على قصة “سيلفيا” بأنّها “حُلْم حُلْم”.

في سنة 2017 نشرتْ “دار كلمة” الإماراتية ترجمة عربية ممتازة لمجموعة نصوصٍ نثرية وشعرية مهمة لجيرال دي نيرفال، مزوّدة بشروح وتعليقات تحت عنوان (بُنيّات اللهب، يليه الأوهام) ، بترجمة الأستاذة ماري طوق، وشملَ الكتاب ترجمةً كاملة  لقصة “سيلفيا”. في مقدمة الكتاب التي أعدّها المترجم كاظم جهاد تـوصَف “سيلفيا” بأنه قصة رائعة تكشف عن مهارة سردٍ عالية لدى دي نيرفال، وإنْ لم يتمكن أحد من القبض على دلالاتها الروحية وإشاراتها الرمزية.

ويشير شارحو دي نيرفال إلى أن نصّ سيلفيا – على إغراقه المتعمّد في الغموض والرمز- هو النصّ النثري الأكثر اكتمالًا لدي نيرفال، النصّ الذي يعيد صهر جميع “ثيمات” دي نيرفال المحبّبة، وهي الأحلام، والذاكرة المُستعادة، وعالم الطفولة. لنقل إنّها نسخة مُدمَجة من رواية “البحث عن الزمن المفقود” مدموغة بدمغة جيرار دي نيرفال الهذَيانية المعروفة. قال مارسيل بروست عن هذه القصة: “في سيلفيا نحن أمام لوحات بألوانٍ غير واقعية، يمدنا مُناخ القصّة بمناخ أرجواني مائل إلى الزرقة، شيء لا يُوجد داخل الكلمات، لكنه شيء يُستوعب داخل الكلمات مثل ضباب الصباح”.

***

رغم تداخل الأزمنة تداخلًا مُربكاً، وتقاطع الأحـداث مع الذكريات، إلا أنّ محور الحكاية بسيط. فالسارد يعـشق، أو يتوهّم أنه يعشق – كما سنرى لاحقًا- ممثلّة مسرحٍ اسمها أوريليا، وأوريليا هي آخر رواية كتبها دي نيرفال قبيل انتحاره (أبحث عن ترجمتها إلى العربية منذ عشر سنوات، ولا أثـر).

يتردد السارد إلى المسرح الذي تمثّـل على خشبته أوريليا، مُستحضرًا أطيافًا هاربة، حتى تثير صفحة في جريدة مجموعة من ذكريات الطفولة، فيعود السارد إلى بيته. وبينما هو واقفٌ على حافة المنطقة الرمادية بين الحُلم والعِلم، وهي حالة تلازمنا طوال القصّة، تظهر له فتاتان: آدريان وسيلفيا.

آدريان، أو الطيف الوردي الأشقر، وسراب المجد على حـد تعبيره، تطفـو وترسب على صفحة حياته مثل الرؤيا الخاطفة، هي الصورة الأفلاطونية للحب، لكنها الصورة التي سرعان ما تتبخّر، حين تنذرها عائلتها لحياة الرهبنة، فتدخل الدير حتى موتها. أما سيلفيا ففتاة ريفية جميلة، كانت تغار على الدوام من كثرة ترديد السارد لسيرة آدريان حين يلتقيان. يقرر السارد ركوب عربته والسفر إلى مكان ذكرياته، فتتحوّل العربة إلى آلة زمن تنقله إلى الماضي. تـظهر آدريان بوصفها ذكرى داخل ذكرى، وتلوح كسرابٍ حُلوٍ، لا يمل السارد من ملاحقته، بلا جدوى. بينما سيلفيا هي الواقع المُتاح الذي يفرَّط فيه بخطأ، يندم عليه لاحقًا.

بعد سنوات يعود السارد إلى قريته، ليكتشف أن الواقع الذي كان بين يديه بالأمس قد تلاشى، سيلفيا الريفية البريئة، لم تعد كما هي؛ بل صارت امرأة ناضجة جذّابة، وتخبره أنها بصدد الزواج من شقيقه في الرضاعة، ليتبخّـر سرابٌ آخر حُلو. يعود السارد إلى باريس، فيُلقي بنفسه في هـوى أوريليا ممثلة المسرح، التي استهلّ بها قصته. ويـصّـر في يومٍ على اصطحابها إلى القصر، الذي رأى عنده “آدريان” للمرّة الأولى، وهناك يعترف لها بقصّـته القديمة.

لكن أوريليا تخبره بثباتٍ وثقة: “أنتَ لا تحـبـني، تنتظر أن أقول لكَ أنّ الممثلة هي الراهبة، هذا كل شيء والنهاية تُفلت منكَ”. يُنهي دي نيرفال قصّته بتعليق، يعترف فيه أنّ تلك الأوهام هي التي تسحر المرء وتضلله في مقتبل العمر. الأوهام تسقط تباعًا الواحد تلو الآخر مثل قشور الثمرة، والثمرة هي التجربة، وطعمها مُــرّ.

***

بعيدًا عن تحليلات إيكو ورسومه البيانية  في تحليل “سيلفيا”، تعود روعة القصّة – في تقديري كقارئ- إلى وعـي السارد منذ البداية بأنه يطارد وهمًا، ليستحـضرَ صورةً مثالية لمعشوقةٍ ذهبتْ بلا رجعة، وذلك باعترافه في بداية القصة حين قال: “إنها صورة أطاردها، ولا شيء أكثر”.

صحيحٌ أن السارد، ومن ورائه دي نيرفال كما نعرف من سيرة حياته، كان يلاحق سرابًا، ولكن، مَنْ مِنا لم يجـرِ في حياته وراء سراب، ومَنْ منا لم يطلب أثرًا بعد عين، وهو واعٍ بما يفعل، ومستمتع به؟ وهل كان في وسع دي نيرفال كتابة قصة مثل سيلفيا لولا لـذّة ملاحقة السراب، ولولا تمسّكه بمطاردة الوهم، والسعي للإمساك به، وتخليد ذكراه داخل قصة؟ يبدو أنّ السارد قد عاش تجربة، كان يبحث لها عن قصة، ولم يجد أفضل من السراب بطلًا لقصّته.  

***

في نهاية قصّة الغُربة الغريبة لفيلسوف الإشراق شهاب الدين السهُروردي المقتول نقرأ العبارة التالية: “وبقي معي من اللذة ما لا أطيق أن أشرحه. فانتحبتُ وابتهلت وتحسّرت على المفارقة. وكانت تلك الراحة أحلامًا زائلة على سرعة”. ويقول أبو حيان التوحيدي في الصداقة والصديق: “السراب يقّرب منا البعيد، ويُبعد منا القريب”.

*****

خاص بأوكسجين


روائي وقاص من مصر. من رواياته "البساط الفيروزي: في ذكر ما جرى ليونس السمّان"" 2017، و""ماضي"" 2017."