بارودة العميد | محمد رشو

العدد 176 | 28 آب 2015

إلى سلوى النعيمي

١

قبل أن أعاهد نفسي وأعتزل حكايات العساكر وأتفرغ لقراءة بستان الكرز و النورس والعم فانيا والشقيقات الثلاث وقصصه ويومياته ورسائله إلى أولغا كنيبر، كنت قد عدت إلى إدمان العادة السرية، مرة أو مرتين في اليوم وربما ثلاث مرات.

كنت أحيا بين نوبات اكتئاب حادة واهتياج مستمر يدوم مع الأفلام والصور الپورنوغرافية وقراءة الكتب من روايات عاطفية وأخرى تراثية تخوض في علم الباه وشؤون النساء، وصولا إلى المقالات اللغوية والعلمية الخاصة بالجنس التي تمعن في الأسماء ال٢٣٨ الإنگليزية لفرج المرأة حتى الوصف الذي لايحتمل للوضع العالمي، الوضع الكلاسيكي العادي للجماع، ليس اللوتس وعناق الماء والحليب والمقص والذكريات والملعقة والفراشة والكلب والفارسة وال٦٩ والكرسي والاحتلال بل الوضع الرسولي الذي كان المبشرون يرونه سماويا ويبشرون به بين الأقوام البدائية كطقس جنسي مبارك من السماء دون غيره.

كنت أعاني من كل شيء وأتذمر من كل شيء، وثم لم أعد أعاني من أي شيء، كنت في التاسعة والعشرين، أصبحت قاسيا تماما، أقرأ تشيخوف ولا أرد على أحد ولا أتكلم، أهز رأسي وحسب مما يفهم من يكلمني بأنه على الصواب وأنني سأفعل ما يراه وأؤمن بما يقوله.

أما النوبات الحادة للإكتئاب فمن السذاجة القول أن مردها كان الشعور بالذنب، الشعور بالذنب كنت قد تجاوزته، كنت في الحقيقة أدمن الإثم محبة في الإثم نفسه، وربما انتقاما لشيء ما، لا نزوة ولا خضوعا للذة التي كانت قد حلت تماما محل الخوف الذي يراود من يرتكب الإثم.

خلال عام من التحاقي بالجيش لم أعد واثقا بالطبيعة البشرية، فليتكلم من يشاء ولثلاثة أيام وليستشهد بمحمد وماركس ويسوع، فلن أصدق أي شيء ولن أرى هؤلاء أفضل من الذين يتبعونهم، ولكن مع هذه القسوة كنت قد اكتسبت مرحا غريبا، كنت أنظر بعين الشيطان، وأرى الخيط الأسود الدقيق بين كوميديا التجربة والمغفرة التي يدير بها الله مخلوقاته، وتراجيديا التعاسة البيضاء غير المقنعة التي يحاول بها البشر من خلالها أن يثبتوا أنهم ما زالوا ملائكة.

٢

كان لدينا في المستوصف، خزانة أدوية تفرغ خلال شهر من الأدوية التي كنا نستلم مخصصات الفوج مرة كل ثلاثة أشهر، وكنا فورا نعبئ منها حقيبة كاملة للعميد، وأخرى لنائبه، وثم يتوافد الضباط لنزودهم بالمرهم الشافي والمسكنات وحبوب الالتهاب والأربطة الضاغطة، أما الجنود فكنا نعطيهم حبتين حبتين مع وصفة يجلبها لهم الرقباء من مصياف أو حماه بعد أن يضاعفوا السعر، وكان لدينا في المستوصف سيارة إسعاف قديمة نسميها الصحية، ومع أول مريض اشتبهت في إصابته بالتهاب الزائدة الدودية وقررت نقله إلى المشفى العسكري تعطلت، أما كيف تعطلت، فبينما كنا نهبط من الجرادة نحو أم الطيور في الثانية بعد منتصف الليل رأيت دولابا يسبقنا على الطريق بعشرة أمتار، وطبعنا لم يكن سوى دولاب سيارتنا، أما عند العودة من حماه فلم ينفك دولاب بل كربج المحرك، لتظل الصحية شهرين في ورشة التصليح، أما المريض في تلك الليلة فأصبح على ما يرام، وكنت مصيبا في التشخيص، ولم يحصل سوء سوى أن زائدته الدودية انفجرت ونحن نركب الدولاب ليقضي حوالي أسبوعين في المشفى وهذا كان مسرا له بعد أن حصل على استراحة طبية لمدة شهر.

في الصباح التالي لحادثة الصحية تلك، حضر هو  إلى المستوصف بكتف مخلوعة بعد أن أجبره النقيب على إجراء تمرين الثابت عشرين مرة رغم أن لديه إعفاء صحيا، كان يرتدي شيالا قطنيا أبيض، يبتسم وهو يتقدم نحوي بكتف مائلة سأتذكرها طويلا، عرفني عليه رقيبنا وكان رقيبا أيضا، أعطيته أربعة حبات مسكن مع إحالة إلى المشفى وإعفاء آخر من الرياضة المجهدة وهذا ما لن يحصل، سيعود بعد ثلاثة أيام وأيضا بكتف مخلوعة، لأعطيه اعفاء آخر يمزقه النقيب مرة أخرى ويقول له، خراي عليك وع الدكتور الذي هو بطبيعة الحال، أنا، ولا أحد غيري.

٣

في الشهر مرة كنت أزور السجن عند الباب الرئيسي، وكانوا السجناء يقفون بالشورتات، ويكون غالبهم مصابا بالجرب، عرفت من الرقيب والمساعد أنهم ينيكون بعضهم، وحين جلبوا أحدهم في منتصف الليل، وكان يعاني كما أدعوا من نوبة صرع، وكنت أعرف أنهم يتمارضون كثيرا، لم أعطيه إبرة مهدئة، إبرة الديازيبام، بل سحبت قليلا من ماء السيروم وحقنته بسرنغ في الإلية اليمنى فهدأ فورا، فعرفت على الفور أنه يكذب، فاقترب منه رقيبنا وقال له: اشلح ولك، فشلح الشورت، قال الرقيب: هادا إير زلمة، ثم وشوش في أذني، هادا اللي بينيكوه بالسجن، كان أيره صغيرا وغافيا تماما، ورأيت آخرين غيره، أما هو كان شيئا آخر، نظيفا، لا يتكلم كثيرا، الهيدفون في رأسه، ومرة واحدة رأيته يومئ لأمره دون أن أدري، كان جميلا حقا، نحيفا وأبيض ولا شعر على صدره سوى زغب أشقر خفيف، قال بأنه يظن أن داخل كل رجل امرأة، كما أن داخل كل امرأة رجل، وحين يكون لا دين ولا منظومة أخلاق فاسدة، ويكون الرجال معا أو النساء معا، فإنه متأكد أن كل سيلف على وليفه ولا شرط أن يكون من جنسه، كان لبقا وحين تكلم عن المثليين، تكلم وكأن الأمر لا يعنيه، شعرت بالتقزز حين قال: هناك  غاي بياكل، وغاي بيطعمي، لكني استلطفته حين أكمل: المهم هو الحب  بين الطرفين، ثم تغير الحديث إلى تناقضات أخرى وبينما كان رقيبنا يعد الشاي، حط يده على يدي بحركة بدت عفوية لحظتها وقال: دكتور أنتا بتضحك وبتبين جينتل، بس جواتك في وحش، وإذا حبيت شي يوم ما راح تحب إلا كوحش.

لم أسحب يدي، لكن أغمضت عيني وقلت، ما بعرف.

فيما بعد سأعرف أنه بينما كان يمسك يدي بيده، أصابتني قشعريرة خفيفة، ليس انتصابا، بل تقلصا بطيئا في جلد الخصية صاحبه توتر بسيط سيطرت عليه على الفور، حينها كل ما جرى كان دورانا في سوائل البدن، لم أسمح لشيء آخر، لأنني لم أكن أعرف تماما أين أتجه.

٤

كان في الواحدة والعشرين، تخرج من معهد للغة الإنكليزية، ولأنه كان مغرما بالورق، أصبح من المعتاد أن يحضر إلى خيمة الجنود بقسمنا على بعد خمسة أمتار من المستوصف، والمستوصف كان يتألف من صالة انتظار وغرفة الفحص وغرفتي للمنامة، واحدة للأطباء كنت أشغلها أنا، وأخرى للمساعد والرقيب،  لعبت معهم ذلك الخميس لعبتين، ثم  قمت لأنام وتركت له مفاتيح الغرفة ليأتي متى أنهى اللعبة بعدما أتفقنا أن نقضي عطلة نهاية الأسبوع معا في مصياف، أنا وهو ورقيبنا الممرض.

يذكر فرويد في كتاب له حكاية راهبات كن يمسدن أعضاء الأطفال الحميمة حين يجافيهم النوم، ولكن يبدو أن الأفكار الجيدة لا تكون جيدة دائما.

كانت يدي أسفل بطني وكنت ما أزال أحدق في الظلام حين دخل، ويبدو أن هذا راق له، فتجرأ وكأنه كان ينتظر شيئا كهذا، خلع عنه كل شيء، ثم أخرج من جيب معطفه العسكري ماسورة جيل، أحكم إغلاق الباب، اقترب مني وبدأ يدهن كفيه.

لم أؤنبه، لم أقل له في البداية أنك ستمرض من البرد، أو ماذا تفعل أو اذهب من هنا، كل ما فعلته، استسلمت ليده وبقيت أحدق في الظلام.

لا أدري بماذا كان يفكر، حينئذ كنت أفكر ببقايا الخراء في عمقه، والذي من الممكن أن يلتصق بي، الأمر كان لذيذا أشبه بما تفعله يداي كل يوم، لكن حين كان يحرك مؤخرته دورانيا، كان يضغط على خصيتي ويسبب لي ألما خفيفا مزعجا يتحالف مع القرف الذي كنت أحس به فلا يبقى من اللذة سوى القليل على هيئة شفقة سوداء نحو هذا الشبح البائس العاري وهو يدق بابا لا مرئيا في ظلام اللذة لأقذف في داخله، وفعلت لكنه كان سريعا نوعا ما، ليلتها، لم نتكلم أبدا، كأنما يعتذر، نظف لي بالكلينكس والكولونيا وبقي جالسا عند السرير يمسك يدي قريبة من فمه، كأنما كنت أرمم خذلاني له بحنان غير منتظر مني، أخذت أربت على رأسه فقام عن الأرض على الفور ودفن نفسه بجانبي دون أن ينظر إلي.

٥

كان يرتدي الكلاسين النسائية  وحين قلت له، لولا هاد الشعر اللي ع طيزك، كان قد حلقه في المرة اللاحقة، أحبني لكني كنت أنيكه كحيوان، دائما بالوضع  نفسه، مرة استجبت له فظل يمص لي ثم استدار وأمسك بطرف السرير وانحنى دافعا مؤخرته للخلف، فأدخلته وأنا أحضن ظهره، وبقيت ألكزه خمس دقائق ثم تمددت على الأرض فجلس فوقه وظل يلعب حتى قذفت،  أظن أنه مر علينا معا  ما يقارب  الشهر نكته خلاله اثنتا عشر مرة، وكنا متفقين على كلمة سر، افتح يا سمسم، افتح يا سمسم، وتنزاح الصخرة، وآخر  مرة كانت بينما كنا نلعب التريكس في خيمة العساكر، كنت أراقب بطرف عيني ساقيه الممدودتين جانبا على طول البطانية، وذكرت خلال الحديث الذي لم أعرف كيف بدأ، كيف أننا كنا ونحن صغار نتذاكى على بدر الغبي، ونرى الذكي أنيس جميلا برأسه المدور أعلى قميصه، ولم نكن نفكر مطلقا في شيطان الوقت، ثالثهما الذي لا يغفو بينهما، ثم قلت أنه رغم كل شيء يبقى ” افتح يا سمسم ” أفضل برنامج على الإطلاق، لحظة وكان قد ترك الورق من يده وخرج، فخرجت وراءه، وظللنا نمشي حتى اجتزنا حدود الكتيبة وحدود الفوج، كان الجو باردا، وكنت قد بدأت أشتاق إليه وأرغب أن أكون قريبا منه دائما، توقفنا على التلة التى ترى منها على بعد ١٠ كيلومتر المصابيح الكهربائية المضيئة أمام منازل أم الطيور، أمسك يدي وأخذ يغني:

You only see what your eyes want to see

وحين وصل إلى المقطع الذي أفضله:

Love is a bird

She needs to fly

طوقته بذراعي و أحنيت رأسي نحوه حتى لامست وجنته اليمنى بأنفي، ثم أخذت أقبله في فمه،

أفكر الآن أنه من السهل أن ينيك رجل رجلا، أما أن يفكر رجل في فم الرجل الآخر، فهذا يعني أن عالما كاملا في داخله قد بدأ يتهاوى،

تلك الليلة، كنت المعطف الأسود الذي يتفتت إلى طيور سوداء في فيديو كليب مادونا، كنت أضمه بذراعي لكنه كان يضم الطير الذي في قلبي، كان ينفخ على رأس الطير وهو يوغل لسانه في فمي لأقبض عليه بكل القوة الرهيبة التى في الشفتين.

كنت أظن أنني على حافة هاوية، استدرت إلى الخلف لأرى أنني على حافة هاوية أخرى.

٦

كنت جالسا على كرسي بلاستيكي قرب مشتل النعناع الصغير أمام المستوصف أقرأ قصة ” توافه الحياة ” ، وأسجل على الهامش ملاحظة لتشيخوف، ” العبقرية هي معرفة الحياة “، وكنت وصلت إلى حيث يقول الطفل لعشيق أمه: ” إن بابا يقول: أنتم الأطفال تعساء، أنتم تعساء، وأنا تعيس وماما تعيسة ” حين جاء العميد في سيارة اللاندروڤر وقفز منها مسرعا إلى الداخل، كان يعاني من ألم حاد في الخاصرة اليمنى ورغم أنني طبيب أسنان إلا أنني كنت أعمل طبيبا عاما، أشخص وأسعف وأستقبل ما لا يقل عن ستين مريضا باليوم، وتمكنت خلال عام من أن أصل إلى الدرجة التي يستنجد العميد بي، حكيم بدي أموت، ناسيا الأسبوع الأول الذي كنت أرتبك فيه وأنا أنفخ الاجاصة المطاطية لجهاز الضغط.

فكرت وأنا أجس خاصرته، الألم ما يجعلنا نتمسك بعشبة، وضغطت بأصابعي فانحنى وأغمض عينيه، وعرفت ما لم أكن أخطئ فيه: حصاة.

ناولته الباكتريم فورت وديكلوفيناك الصوديوم، لكنه ظل ينظر إلي، فقلت على الفور: ولا بد من صورة شعاعية.

خلال ساعة قادنا سائقه لنكون في المشفى العسكري بحماه، نصعد ونهبط ونمشي في الممرات دون أن نجد طبيبا في قسم الإسعاف لتمر ساعة كاملة حتى نقف بجانب الطبيب المناوب في قسم البولية وهو يشير بقلم شنيار إلى كتلة بيضاء في الحالب الأيمن بحدود ٢ سم ذات حدود شئزة مؤكدا دقة تشخيصي وصواب ما ذهبت إليه.

في تلك الليلة سرقت بارودة العميد.

٧

كان العميد يتحرك كمعتوه، البارودة شرف العسكري، وأن تسرق بارودته شخصيا فتلك إهانة لا تحتمل، حققوا مع الحرس في تلك الليلة، مع العساكر الستة الذين يخدمونه، ثلاثة منهم كانوا مفرغين في بيوتهم مقابل اثنا عشر ألفا سورية يأتوون بالشهر مرة واحدة، يدفعون ويذهبون إلى أهاليهم، هؤلاء تم استدعائهم أيضا، اجتمع مع كل ضباطه وصفوف ضباطه، وقال: البارودة لازم بترجع، والله لأنيك كس أمو الحيوان.

كانت الأمور تسير دون جدوى، وذات يوم ونحن في المستوصف، جاء إلينا واصطحب معه مساعد المستوصف، وكان من مصياف وكان المساعد قد أخبره عن وجود مزار الشيخ أبو طاقة، حيث جدار فيه فتحة، والأهالي يؤمنون ان الأبرياء يمرون من الفتحة دون استعصاء، أما المذنبون يعلقون ولا يستطيعون أن يخرجوا، والمسألة مجربة، يمر البريء متل ما بتطلع الشعرة من العجين، كما قال المساعد، أما الزناة والقتلة والسارقون والكذابون فيعلقون في الطاقة، ولو كان الواحد منهم رفيع متل الأصبع، أضاف ، انطلقت سيارة العميد وبجانبه المساعد دليلا، وخلفهما انطلقت سيارة أخرى يسوقها ملازم أول وكان في الخلف عشرة جنود مقيدون، جنود بائسون يجلسون باستكانة كحيوانات وديعة تساق كيفما يشاؤون.

ثم تسلم الأمن العسكري في حماه الملف، حيث اعتقلوا واحدا وعشرين شخصا كان هو واحد من بينهم، وقادوهم إلى السجن ليدخلوا في متاهات الاعتراف بذنب لم يرتكبوه ولكن لا بد أن يعترف أحد ما لتكتمل حبكة العدم المظلم، ويسترد الشرف، واختفوا بعدها ولم يكن أحد يأتي على ذكرهم وكأنهم لم يكونوا في يوم ما.

أما أنا فكنت قد مضيت أبعد من أقول أنني كنت أشتاق عليه، كنت أفكر فيه دائما وشيئا فشيئا كنت أغوص في الكوابيس، لم تكن كوابيس كما تكون عادة، لم يعضني كلب أو ذئب، لم أكن أمت، أقتل، أقع من جرف، ولم أكن أرى ميتا أو أرى جنيا له وجه إنسان وقدما الماعز، أو شياطين أو مسوخا بأذرع كثيرة وعين واحدة في منتصف الجبهة،كنت أرى الخراء، أكوام من الخراء، أدخل مرحاضا يشبه التواليت في مدرسة الخدمات الطبية بحرستا حيث قضيت ثلاثة أشهر في  دورة الأغرار، أرى ستة مغاسل، وفي كل مغسلة خراء، من مغاسل مغلقة مسدودة تماما لكثافة الخراء العفني والأصفر الطري، ومغاسل يكون الخراء فيها قطعا اسطوانية صلبة متروكة على الأطراف، وأحيانا يكون مسحات بنية أو سوداء تغطي بورسلان المغسلة، أغلق أنفي بيدي وأفتح الماء، ويختلط الماء بالخراء ثم أرى بعض الحنفيات معطلة، وأظل أدور بين المغسلة والأخرى حتى أستيقظ، أظل ربع ساعة في السرير، لا أحس سوى بطعم الصدأ في فمي ثم أجر نفسي نحو الباب أجلس عند مشتل النعناع، أقطف أوراقا وأدعكها بيدي، وأعود للداخل لأخرج ليمونة من البراد وأعملها شرائح وآكلها مع الملح، كي أسترد مزاجا أستطيع أن أكمل يومي به دون أن أتقيأ.

في تلك الليالي لم أجد عزاء سوى مع تشيخوف وكنت أنهيت مجلدات تشيخوف الأربعة، ترجمة أبو بكر يوسف، إصدار دار رادوغا، ذات اللونين الأخضر والأصفر المائل للذهبي، فعدت أجتر لأقرأ مقدماتها مرة أخرى، فأحيانا كثيرة كنت لا أنام حتى الصباح كي لا أرى تلك الكوابيس.

٨

كانت قد تجاوزت الثالثة فجرا في يالطا، كان تشيخوف يتنفس بصعوبة وهو يتمدد بهدوء على جنبه الأيسر، ثم خرج صوت من حنجرته ومال رأسه، وكان حوله في غرفة الفندق ثلاثة أشخاص يقومون بما تفرض عليهم أدوارهم: الطبيب إيريك شفيرير الذي أمسك المعصم وثم أغمض العينين، طالب طب حاول تصحيح وضع الرأس الذي بقي رغم ذلك مائلا، وأولغا التي تحركت نحو الطبيب وهزته من كتفيه: قل إن ذلك ليس صحيحا، كنت أقرأ وأكاد أرى، ولم أنم تلك الليلة، وكنت على يقين أنه ثمة تفصيل لا يزال مفقودا، وربما بنقصانه يضفي ضبابا رومانسيا على المشهد برمته، في الثالثة فجرا من 15 تموز 1904 يتنفس تشيخوف بصعوبة، تطلب أولغا من طالب الطب أن يستدعي الطبيب الذي يسارع على الفور ويستخدم الأوكسجين وثم يتوقف للحظة ويطلب زجاجة شمبانيا، تشيخوف الحكيم الداهية ساخرا، الطبيب نشيطا وضعيفا في مرضه، من قد بصر حتى الرابعة والأربعين كل القذارة التي تتراكم في مؤخرة الحياة، أدرك ما يمر به، لكنه كان يشعر بمرح غير طبيعي فعلق بخفة بدت لحظتها بائسة بقدر ما بدت مؤلمة: لم أشرب الشمبانيا منذ وقت طويل، وشرب الكأس دفعة واحدة وتمدد بهدوء على جنبه الأيسر وكان الطبيب قد أقفل الباب وخرج لتوه إلى الممر حين هتف تشيخوف خلفه بالألمانية التي يتقنها قليلا: أنا أموت، وثم، أنا أموت، كررها بالروسية، كأنه يختبر ملمس الموت في اللغتين، كأنه يحاول بصوته أن يترجم الموت لمن حوله.

في التاسعة كنت أقف لأهتم بالطابور الطويل من مرضى الگريب والرضوض والتهاب الأمعاء، وكنت ما أزال أفكر كيف أن إدارة الفندق الذي كان يسكن فيه تشيخوف لم ترض بنقله في حمالة لئلا يضايق الموت سائر النزلاء، فوضعت الجثة في سلة غسيل، حينما رفعت رأسي لأجده واقفا زائغ العينين وخلفه من عرف نفسه على أنه أخوه الأكبر، كان قد حلق على الزيرو ويرتدي بنطال جينز شد حزامه بطريقة مضحكة بحيث يبدو وكأنه مبروم في المنتصف، قال الأخ أنه لم يعد يتذكر شيئا، وأنهم استلموه من قسم التحقيق على هذه الحالة، وأخبروهم أنه أصيب بالسحايا ونجا بأعجوبة، كان يبدو جميلا أكثر من أي وقت مضى وهو يضحك ضحكته الخرساء، وفيما كنت أوقع قرار إحالته إلى مشفى تشرين العسكري بدمشق لإقرار حالته النفسية، اقترب من الطاولة ولمس بسبابته ظهر يدي، قال الأخ كأنه عرفك، نهارها لم أتغد، ولم أتعش، ولم أدخل خيمة الجنود لألعب التريكس، بقيت أتمشى المسافة المنحنية بين سرية النقل وسرية المقر، أستعيد صورته وهو يتبع أخاه كأي أبله وثم وهو ينظر للخلف أكثر من مرة، دخلت المستوصف وقلت للرقيب: تصرف مين ما إجا، خلاص، من هلأ ورايح، اعتبرني ماني موجود،

ودخلت لأجلس على السرير المعدني لساعات طويلة، أسند رأسي بين يدي ولا أفعل شيئا سوى أن ألمس وجهي، عنقي، عظم الترقوة، وأحدق في ركبتي، في لطخة داكنة على البطانية، في قوائم السرير، في القفل الصغير على خزانة المعدن، أينما نظرت كانت تصبح نقطة عمياء، أينما لمست كأنما كنت ألمس جلد شخص آخر.

_____________________________________

شاعر من سورية صدر له "انتظر الهواء لأمر بك" 2001  و"عين رطبة" 2005

الصورة من رسوم المخرج الإيطالي فيدريكو فيلليني (1920 – 1993) ولها أن تكون رسوماً أولية لشخصيات أفلامه متسائلاً " لماذا أرسم شخصيات أفلامي؟ لما أدوّن ملاحظات غرافيكية عن وجوههم، أنوفهم، شواربهم، ربطات عنقهم، حقائبهم.. هي طريقتي ربما لأبدأ بمشاهدة الفيلم وجهاً لوجه، لأرى من أي نوع هو، محاولاً ترميم شيء مهما كان صغيراُ وصولاً إلى حدود العدم، لكن ذلك يبدو لي شيئاً يمكن فعله مع الفيلم، ليبدأ حديثه معي في الخفاء".

*****

خاص بأوكسجين

شاعر من سورية. من مجموعاته الشعرية: "انتظر الهواء لأمر بك" 2001 و"عين رطبة" 2005

مقالات أخرى للكاتب

19 نيسان 2015