الشيخ عبدالودود | أحمد قشقارة

العدد 193 | 20 حزيران 2016

لم يكن أبي لئيماً ذا قلب قاس لا يعرف الرحمة أو الشفقة حين أمسك بيدي الغضة ‏كغصن أخضر طري لم يورق بعدُ، وقادني إلى شيخ الكتاب (أبو فتوح) وقال له: ‏هذا ابني عبد الودود يا شيخ أبو فتوح، بدنا ياه يحفظ جزو عمّا... اللحم إلك ‏والعضم إلنا...‏

بالتأكيد لم يكن أبي يقصد بكلماته تلك لشيخ الكتاب (أبو فتوح) أن يعيدني إليه ‏هيكلاً عظمياً وقد حفظت جزء عمّ من القرآن الكريم، بل هي مجرد عبارة درج ‏على استخدامها آباؤنا... لكن يبدو أن الشيخ أبو فتوح أخذ العبارة على محمل ‏الجدّ، وكاد فعلا أن يسلخ جلدي ويأكل لحمي ولا يُبقي إلا على كومة العظام لذاك ‏الولد الغضّ الذي لمّا يبلغ السادسة من عمره بعد...‏

تمضي الأيامُ، وقضيبُ الرمان في يد شيخ الكتاب أبو فتوح ينهشُ من جلدنا، ‏حتى حفظنا عن ظهر قلب الجزء الأخير من القرآن الكريم كاملاً، ولم يبق أمامنا ‏سوى التخرج من أكاديمية (أبو فتوح)، ولكن الحصول على شهادة التخرج لم يكن ‏بالأمر السهل، كان لابد من اجتياز الامتحان العسير الذي اقترب موعده أمام ‏عميد الأكاديمية شيخ الكتاب أبو فتوح، وقراءة جزء عمّ كاملاً دون أي خطأ، ‏وإلا... الويلُ ثم الويلُ لمن سيقترف خطأ في القراءة، حتى ولو بمجرد فتحة ‏أو ضمة أو كسرة... كان علينا أن نبذل قصارى جهدنا للتحضير لذلك اليوم الذي ‏ستبيض فيه وجوه وتسود فيه وجوه...‏

وهنا كانت مصيبتي... حفظتُ الجزء كاملاً عن ظهر قلب، إلا سورة واحدة كنت ‏أرتبك أثناء قراءتها وهي سورة (قل يا أيها الكافرون) ..!!

وكان شيخ الكتاب ‏أبو فتوح يقيم الدنيا ولا يقعدها حين أقرأ أمامه السورة مليئة بالأخطاء، فينهال ‏عليّ بقضيب الرمان لسعاً دونما رحمة أو شفقة، فما يكون مني إلا أن أزداد ‏ارتباكاً وتلعثماً...‏

ذات مرة قلت للشيخ أبو فتوح: يا شيخي والله حاسس إنو الآيات بتشبه بعضها في ‏السورة... وكانت النتيجة أن اتهمني رئيس محاكم التفتيش أبو فتوح بالهرطقة ‏والزندقة والكفر والإلحاد، وصرخ بأعلى صوته وهو يرغي ويزبد: بتشبه ‏بعضها يا حيوان؟ يا كافر.. يا جاحد.. يا ملحد.. يا... ‏

ها هو فصلُ الصيف يلملمُ آخر أيامه، ويرحلُ تاركاً مطرحه في حارتنا العشوائية ‏النائية عن المدينة، للخريف القادم بكل شجونه وأحزانه وأوراقه الصفراء..‏

غداً سيكونُ يوماً طويلاً... سيكونُ يوماً عسيراً جداً.. كيف سأجتاز الامتحان أمام ‏شيخ الكتاب أبو فتوح؟ ماذا أفعل يا ربي؟ كيف سأقرأ سورة الكافرون دون ‏أخطاء؟ لا أعرف كيف أمضيت تلك الليلة...‏

في الصباح الباكر، كان الشيخ عبد الباسط عبد الصمد من خلال الراديو، يتلو ‏بصوته الساحر سورة الفجر وليال عشر، وكان أبي يجهز نفسه للذهاب إلى عمله ‏في شركة الكهرباء البعيدة في المدينة التي يعمل فيها كل رجال الحارة.. قال لي ‏أبي: يا عبد الودود يا بني.. إذا قدرت اليوم تقرأ جزو عمّ كله قدام الشيخ أبو فتوح ‏بدون ولا غلطة رح جيب لك معي كيلو مشبك وعوامات اللي بتحبهم.. الله ‏يرضى عليك يا إبني دير بالك ولا توطي راسنا بالحارة.. لا تخلي العالم يقولوا ‏عن أبوك: أبو الحسنين ما عرف يربي ابنو عبد الودود.. أوعا هاه.. ‏

وضع أبي يديه على كتفي، وهزني بلطف وقبلني من رأسي مُشجعاً، نظرتُ في ‏وجهه المتعب، وحدقتُ طويلاً في عينيه وكأنني أنظر فيهما لأول مرة في ‏حياتي، انتابني شعورٌ غامضٌ، رغبة عارمة في الارتماء في حضنه إلى الأبد، ‏ربما كانت رهبة الامتحان الذي سأذهبُ إليه بعد قليل؟ ربما كنتُ أريد أن أاستمد منه القوة، ربما... شعرتُ أني أريد أن أقول له في تلك اللحظة آلاف ‏المرات: أنا أحبك يا أبي.. أحبك.. لكن حنجرتي غصّتْ بالكلمات، وأصابني ‏الخرسُ، ولم أملكْ حينها سوى الدموع التي انهمرتْ من عيني، ورميت برأسي ‏فوق صدره أبكي.. ضمني بحنان لا يُوصف، وقبلني ثم أبعدني بلطف وقال لي: ‏عبد الودود.. خليك رجل.. الرجال لا يبكون... تدخلت أمي وقالت: خلص يا أبو ‏الحسنين، تأخرت على شغلك.. عبد الودود رح يرفع راسك اليوم ومارح يخجلك ‏إنشاء الله... روح يا أبو الحسنين.. الله معك...‏

في الكتّاب، كان صوتُ الأولاد يشبه الطنين في خلية النحل.. الجميعُ منهمكٌ في ‏القراءة، يحضر نفسه للامتحان أمام الشيخ أبو فتوح... اتخذتُ لنفسي زاوية ‏منعزلة تحت القنطرة، وأسندتُ ظهري إلى الحائط الحجري البارد.. ماذا أفعل يا ‏الله !! أنا أحفظُ الجزء كاملاً عن ظهر قلب، فلماذا أرتبكُ في قراءة سورة ‏الكافرون؟ ماذا أفعلُ الآن كي أجتاز امتحان الشيخ أبو فتوح وأُسعِدَ قلبَ والدي؟ ‏أعترف أن طعم المشبّك والعوامات المشبعة بالقطر الحلو إغراءٌ لا يُقاوم، ولكن ‏في هذا اليوم سيكونُ إدخالُ الفرحة لقلب أبي أهمّ من المشبّك والعوامات.. يجب ‏أن أقرأ الجزء أمام الشيخ ابو فتوح دون أي خطأ..‏

صوتُ المقرئ عبد الباسط عبد الصمد مازال يرنّ في أذني.. خطر في بالي أن ‏أقلد هذا الصوت الذي أحبه، ورحت أقرأ بالطريقة ذاتها:

(كَلَّا إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ ‏دَكًّا دَكًّا ❁ وَجَاء رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا ❁ وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ ‏الْإِنسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى ❁ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي ❁ فَيَوْمَئِذٍ لَّا يُعَذِّبُ ‏عَذَابَهُ أَحَدٌ ❁ وَلَا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ)...

أغمضت عينيّ وأنا أتابع التلاوة على مقام ‏الحجاز الشهير، ولم أعد أسمع أصوات بقية الأولاد... حلّقتْ روحي في عالم ‏آخر.. أصابتني نشوة غريبة وكأنني أسبحُ في الملكوت المقدّس..!!!‏

صحوتُ من غيبتي على يدٍ تربتُ على كتفي.. فتحتُ عيني.. كان الشيخ أبو ‏فتوح يقف قبالتي، وقد تحلّق الأولاد حوله... انتابني الخوفُ.. وقفتُ مرتبكاً ‏وكأنني مجرمٌ قُبِضَ عليه متلبساً بالجرم المشهود... قال الشيخ أبو فتوح: أنت ‏اللي كنت عم تجوّد القرآن؟ ‏

تلعثمتُ.. واضطربتُ.. لم أعرفْ ماذا أجيب شيخ الكتاب.. قلت له: والله يا ‏شيخي أنا ما كان قصدي.. لكن.................‏

لا تخاف.. أجابني الشيخ بلهجة طيبة جداً لم أعهدها منه سابقاً.. لا تخاف.. لا تخاف ‏أنت صوتك رائع يا شيخ عبد الودود.. صفقوا له يا أولاد.. من يوم و رايح رح ‏نسميك الشيخ عبد الودود... بس لو ما مشكلة سورة الكافرون...‏

تصفيق الأولاد لي ومديح الشيخ أبو فتوح منحني ثقة بنفسي جعلتني أقول له ‏مباشرة: طيب شيخي بتسمح لي أقرأ سورة الكافرون بالتجويد متل عبد الباسط؟ ‏

رمقني الشيخ أبو فتوح بنظرة ثاقبة وقال:

إذا قرأت السورة بدون أي خطأ، ‏وبصوت حلو متل ما كنت عم تقرأ منذ قليل.. رح تكون أول الناجحين بامتحان ‏شيخ الكتاب أبو فتوح.. هات لنشوف سمّعنا..‏

أغمضتُ عيني ودخلتُ في حالة من التصوّف، وقرأتُ السورة كاملة بصوت ‏شجي دون أي خطأ... وحين انتهيتُ فتحتُ عينيّ وأنا أقول صدق الله العظيم ‏لأرى نظرات الإعجاب والثناء في وجه شيخ الكتاب.. قال لي: بارك الله بك يا ‏شيخ عبد الودود!! أحسنت.. أحسنت...‏

عند الظهيرة، عاد جميع الأولاد إلى بيوتهم.. وما هي إلا ساعة حتى ذاعَ صيتي ‏في كل الحارة... عبد الودود ابن أبو الحسنين صوته أحلى من صوت عبد ‏الباسط، وبيعرف يجوّد القرآن ... صارتْ أمي تتباهى بي أمام جاراتها.. طبعا ‏يحق لها، فابنها الآن، على الرغم من كونه لم يبلغ السادسة من عمره، إلا أنه ‏صار: الشيخ عبد الودود..!!‏

الله يرضى عليك يا ابني.. رفعتَ راسنا بالحارة.. والله أبوك سيفرح قد الدنيا.. ‏ورح يجبلك المشبك والعوامات... تقبر قلبي يا حبيب إمك...هكذا قالت لي أمي ‏‏...‏

أولاد الحارة رفاق الكتاب كانوا مصرّين في ذلك اليوم على الاحتفاء بي، ‏والاستمتاع بسماع صوتي.. طرقوا الباب وقالوا لأمي:

خالة أم الحسنين خلي ‏الشيخ عبد الودود يروح معنا.. بدنا نقعد بطرف الحارة عند بستان التين، نسمع ‏تجويد القرآن من الشيخ عبد الودود...

قالت أمي، وقد أعجبها احتفاء الأولاد بي: ‏

روح لكن لا تتأخر، أحسن ما يجي أبوك ويشوفك برّا البيت...‏

في بستان التين الذي يشرف على الطريق العام القادم من المدينة، قعدنا وقت ‏الأصيل، تحت شجرة تين ضخمة، كانت أشعة شمس أيلول التي قاربت على ‏الغروب تتسلل من بين الأغصان، ثمة هبات من الرياح تهزّ الأغصان فتتراقص ‏أشعة الشمس فوق رؤوس الأولاد الذين تحلقوا حولي يُصغون إليّ وأنا أتلو ‏القرآن وأجوّدُه...

قال لي أحدهم: يا شيخ عبد الودود اقرأ لنا سورة الفجر.. صوتك ‏فيها كتير حلو وبيبّكي.. وكان عليّ طبعاً أن ألبّي رغبة الجمهور الكريم، ‏وانتقيت بالفطرة مقام الصبا، وهو أكثر المقامات الشرقية حزناً وأشدها تأثيراً، ‏وبدأتُ التجويد....وما هي إلا لحظات حتى تناهى إلى سمعنا صوت المقرئ عبد ‏الباسط عبد الصمد من خلال مكبر الصوت..!!

توقفتُ عن التلاوة... الصوت ‏يقتربُ أكثر فأكثر..

عجيب!! من أين يأتي هذا الصوت؟!

التفتنا جميعاً أنا ‏والأولاد نحو مصدر الصوت الذي مازال يعلو أكثر فأكثر.. كانت سيارة بيضاء ‏تنحدر من البعيد قادمة باتجاهنا من صوب المدينة، وفي أعلى السيارة مكبر ‏صوت أسود يصدر عنه صوت المقرئ عبد الباسط ...!!‏

الشمسُ تدنو من المغيب.. السيارة تدنو من حارتنا.. صوت عبد الباسط يعلو ‏أكثر باقتراب السيارة...

أخيرا وصلتْ السيارة وتوقفتْ عندنا.. ركضنا نحو ‏السيارة ونحن نصرخ: هيه.. سيارة سيارة سيارة... ترجّل الرجل الذي يجلس ‏بقرب السائق من السيارة وسألنا: هذه هي حارة الرمل الجنوبي يا أولاد؟ أجبناهُ ‏بصوت واحد: إي عمّو.. هي حارة الرمل.. ثم قال أحد الأولاد للرجل: عمّو ‏عمّو.. الشيخ عبد الودود صوته حلو كتير وبيعرف يجوّد قرآن.. خليه يجوّد على ‏المكرفون تبع السيارة عمّو... صاح بقية الأولاد وقد أعجبهم الاقتراح: إي إي ‏عمّو ألله يخليك، والله صوت الشيخ عبد الودود حلو كتير..

نظر إلي الرجل ‏وسألني: أنت الشيخ عبد الودود؟ أجبتُه بحياء وخجل: نعم عمّو.. أنا الشيخ عبد ‏الودود.. سألني: ابن مين أنت؟ قلت له: أنا ابن أبو الحسنين..

فكرّ الرجل قليلاً، ‏ثم قال لي: تكرم عينك يا شيخ عبد الودود.. رح خليك تجوّد القرآن على مكرفون ‏السيارة.. تعال اركب بجانبي.. صاح الأولاد فرحاً.. شعرتُ حينها وكأنني دخلت ‏عالم المجد من أوسع أبوابه.. صرتُ الآن مثل الشيخ عبد الباسط، لا فرق بيني ‏وبينه أبداً، كلانا يجوّدُ القرآن على المكرفون ...أوه..!! يا للسعادة والفخر..!! كم ‏سيفرحُ أبي عندما يأتي ويرى ابنه وقد صار اسمه: الشيخ عبد الودود..!!!

الآن ‏أستحق بجدارة المشبّك والعوامات ...!!‏

سارتْ السيارة والأولاد ساروا خلفها ببطء شديد، وراح صوتي يصدح في كل ‏أرجاء الحارة من خلال المكرفون وأنا أتنقل بعفوية بين المقامات الشرقية التي ‏أتقنتها بالفطرة عن الشيخ عبد الباسط أتلو سورة الفجر (يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ‏ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً فَادْخُلِي فِي عِبَادِي وَادْخُلِي جَنَّتِي )... ‏

دخلتْ السيارة زقاق حارتنا الضيق.. خرجتْ النسوة وأهلُ الحارة على صوت ‏المكروفون وجلبة الأولاد وضجيج السيارة البيضاء... توقفتْ السيارة في ‏منتصف الزقاق الضيق.. تجمهرَ الأولادُ أمام بيتنا فخرجتْ أمي  كبقية النسوة ‏وقال لها الأولاد:

خالة أم الحسنين تعالي وشوفي.. ابنك الشيخ عبد الودود عم ‏يقرأ القرآن على المكروفون..

كادتْ النسوة ساعتها أن تزغرد فرحاً بهذه ‏المناسبة العظيمة، ولدٌ من حارتهم المنسية يصبحُ بين عشية وضحاها الشيخ عبد ‏الودود ويقرأ على المكروفون أيضا!! هذا إنجاز رائع.. إنجاز وفخر للحارة ‏كلها... هنيئا لك يا أم الحسنين.. ما شاء الله.. مبروك يا أم الحسنين.. الله يخليلك ‏ياه وتشوفيه شيخ قدّ الدنيا....ولكن....!!!

ما الذي جاء بهذه السيارة إلى حارتنا؟ ‏أليست هذه سيارة دفن الموتى؟

تقدمّ الشيخ أبو فتوح من سائق السيارة وسأل:

خير يا شباب؟

قال السائق بصوت حزين:

الميت من حارتكم.. إنا لله وإنا إليه راجعون.. ‏

ساد صمتٌ رهيب...

خيّم الوجومُ على وجوه الجميع..

وابتلعت النسوةُ ‏شهقاتهن..‏

قال الشيخ أبو فتوح:

الميت من حارتنا؟ لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.. ‏وكيف مات؟

قال السائق: ضربتهُ الكهرباء..‏

شهقتْ النسوة جميعاً، وتجمّد الدمُ في عروقهن، لم يعدْ يُسمعُ في تلك اللحظة ‏سوى خفقان القلوب والأنفاس المتلاحقة....!! ‏

صاح الشيخ أبو فتوح غاضباً:

لعنة الله على الكهرباء وساعتها.. نحن هنا نعيش ‏في الظلام الدامس، والكهرباء في المدينة تقتل رجالنا وشبابنا.. لا حول ولا قوة ‏إلا بالله.. ثم قال:

ومن هو الميت؟ ما اسمه؟

صمتَ السائقُ قليلا قبل أن يجيبَ على السؤال الصاعق، كأنه كان يدركُ أن ‏جوابه على هذا السؤال، سيشكلُ صعقة أخرى لإحدى نساء الحارة التي لم يبق ‏على إعلانها أرملة سوى معرفة اسم الميت..‏

الصمت المطبقُ الكئيبُ يخيّم على المكان...

النسوة يتبادلن فيما بينهن ‏النظرات..

لحظات انتظار قاسية بين الخوف والرجاء..

شعرتُ حينها أن كل ‏واحدة منهن كانت تتمنى أن لا يكون الميتُ زوجها، وأنها ليست المعنية بهذا ‏الزائر الذي عاد في ذاك المساء الخريفي جثة هامدة..!!‏

تقدم الشيخ أبو فتوح من سائق السيارة وقد نفذ صبره:

قل لنا بالله عليك يا رجل ‏وخلصنا.. من هو الميت؟

السائق لم ينبس ببنت شفة، والتزم الصمت، وكأنه كان يقفُ أمام أصعب سؤال ‏في حياته...

مدّ السائقُ يده إلى السيارة وأخرج منها صرة قماشية ملفوفة ‏وأعطاها للشيخ أبو فتوح وقال:

هذه كل ملابس المرحوم وأغراضه...‏

قعد الشيخ أبو فتوح على الأرض.. ‏

الأنظار كلها توجهت نحو الصرة.. ‏

فتح الشيخ أبو فتوح الصرة وأخرج منها كيسا مليئاً بالمشبك والعوامات.

*****

خاص بأوكسجين

ممثل ومخرج مسرحي من سورية.

معلومات الصورة
الصورة من فيلم "النهاية" للمخرج المغربي هشام العسري