العدد 155 | 2 تموز 2014

ذات ليلة كنتُ جالساً على السرير في غرفة فندق في "بنكر هيل"، في قلب مدينة لوس أنجليس. كانت ليلة هامة في حياتي، لأنه كان عليّ أنْ أتخذ قراراُ حول الفندق. فإما أنْ أُسدّد ما عليّ أو أخرج: هذا ما قالت الملاحظة، الملاحظة التي دفعتها صاحبة الفندق من تحت عقب الباب. مشكلة كبيرة، تستحق التركيز الحادّ. وحللتها بإطفاء الأضواء واللجوء إلى السرير. 

   في الصباح استيقظت، وقررتُ أنَّ عليّ أنْ أمارس أكثر التمارين الرياضية، وباشرت على الفور. أديت العديد من حركات الانحناء. ثم غسلت أسناني، فذقتُ طعم الدم، ورأيتُ اللون الوردي على فرشاة الأسنان، وتذكرتُ الإعلانات التجارية، وقررتُ أنْ أخرج وأشرب بعض القهوة.

   ذهبتُ إلى المطعم الذي أتردد عليه دائماً وجلستُ على مقعد بلا ظهر أما النُضُد الطويل وطلبتُ قهوة. كان طعمها يُشبه القهوة كثيراً، لكنها لا تستحق نكلة واحدة. بينما أنا جالسٌ هناك دخّنت سيجارتين، وقرأتُ نتائج مباريات الكرة الأميركية، وتجنّبت بشك نتائج الفريق الوطني، ولاحظت برضى أنْ جو ديماجيو لا يزال له رصيد عند الإيطاليين، لأنه يقود الفريق في تسديد الضربات. 

   إنه مُسدِّد جيد للضربات، ذلك الديماجيو. خرجتُ من المطعم، ووقفتُ أمام ضارب وهمي، وسدّدتُ ضربة موفقة عبرت من فوق السياج. ثم مشيتُ على طول الشارع نحو إينجلز فلايت، متسائلاً ماذا سأفعل في ذلك النهار. ولكن لم يكن لدي ما أفعل، فقررتُ أنْ أتمشى في المدينة.

   تمشيتُ في "شارع أوليف" ومررتُ بمُجمَّع سكني أصفر اللون وقذر كان لا يزال رطباً كورقة نشّاف من ضباب الليلة الفائتة، وفكّرت في صديقيّ إثي وكارل، وهما من "ديترويت" وكانا يقيمان هناك، وتذكّرتُ الليلة التي ضرب فيها كارل إثي لأنها كانت حامل، ولم يرغب في الطفل. لكنهما أنجبا الطفل وانتهى الأمر عند هذا الحد. وأذكر داخل تلك الشقة، وكيف كانت تفوح برائحة الفئران والغبار، والنساء العجائز اللواتي كنّ يجلسن في أوقات بعد الظهيرة الحارة في البهو، والمرأة العجوز ذات الساقين الجميلتين. ثم كان هناك عامل المصعد، رجل مكسور من ميلووكي، الذي بدا أنه يعبِّر عن ازدرائه كلما أردتَ أنْ تصعد إلى شقتك، وكأنّك أحمق لأنك اخترتَ ذلك الطابق بالذات، عامل المصعد الذي كان دائماً يحتفظ بصينية عليها شطائر في المصعد، وبمجلة رخيصة.

   عندما انحدرتُ أسفل التل في "شارع أوليف"، ماراً بالمنازل ذات الأُطُر الخشبية الشنيعة التي تفوح برائحة قصص الجريمة، ومن "أوليف" إلى القاعة الفيلهارمونية، وتذكرتُ كيف دخلتُ إلى هناك مع هيلين لكي نستمع إلى فرقة كورال "دون كوساك" ، وكيف أصابني الملل وتشاجرنا بسبب ذلك، وأتذكر ماذا كانت هيلين ترتدي في ذلك اليوم – ثوباً أبيض، وكيف جعلني أغني من عورتي عندما لمسته. أوه يا لتلك الهيلين – ولكن ليس هنا.

   وهكذا سرتُ في الشارع الخامس و"أوليف"، حيث تمضغ الحافلات أُذنيك بضجيجها، ورائحة الغازولين تجعل مشهد أشجار النخيل يبدو حزيناً، والرصيف الأسود لا يزال رطباً من ضباب الليلة السابقة. 

   إذن وصلتُ إلى أمام "فندق بالتيمور"، سائراً بمُحاذاة صف من سيارات الأجرة الصفراء، وسائقو تلك السيارات كلهم نائمون ما عدا السائق المُجاور للباب الرئيس، وتساءلت حول أولئك الرجال وذخيرتهم من المعلومات، وأتذكر عندما حصلنا أنا وروس على عنوان من أحدهم، وكيف رمانا بنظرة داعرة ومن ثم أخذنا إلى شارع تمبل، دون الأماكن كلها، ولم نجد إلا الأشد قُبحاً، وتابع روس طريقه إلى الداخل ومكثت أنا في الصالون وشغّلتُ الفونوغراف وشعرت بالخوف وبالوحشة.

   كنتُ أتجاوز بواب "فندق بالتيمور"، وكرهته على الفور، بضفائره الصفراء وطوله الذي يبلغ ستة أقدام وكل ذلك الوقار، وإذا بسيارة سوداء تتوقف عند حافة الرصيف ويخرج منها رجل. بدا ثرياً ؛ ومن ثم خرجت امرأة، وكانت جميلة، الفرو الذي تضعه كان بلون  ثعلب فضيّ، وكانت كالأغنية وهي تجتاز الرصيف وتلج من الباب الدوّار، وقلت في نفسي آه لو أنال قليلاً من هذا، فقط يوم وليلة من ذاك، وكانت حلماً عشته وأنا أتابع طريقي، وعطرها لا يزال يعبق به هواء الصباح الرطب.

   ثم مرّ وقت طويل وأنا واقف أمام واجهة محل بيع الغلايين ورحت أتفرج، وتلاشى العالم كله ما عدا تلك الواجهة ووقفتُ ودخنتها كلها، وتراءى لي أنني مؤلف عظيم أمسك غليوناً إيطالياً أنيقاً من خشب الخلنج، وعصا خيزران، وأترجل من سيارة سوداء كبيرة، وهي معي أيضاً، وفخورة بي حتى الجنون، أعني السيدة ذات فرو الثعلب الفضيّ. ونسجل إقامتنا ومن ثم نشرب الكوكتيل ومن ثم رقصنا قليلاً، ومن ثم شربنا الكوكتيل من جديد وألقيت بضعة أبيات باللغة السنسكريتية، وكان العالم رائعاً، لأنَّه بين حين وآخر كانت إحدى الجميلات تُحدّق بي، أنا المؤلف العظيم، دون أنْ أتأثّر ولكنني أُضطر إلى التوقيع على نسختها من لائحة الطعام، وتشعر صاحبة فرو الثعلب الفضيّ بغيرة شديدة. 

   أعطيني شيئاً منكِ، يا لوس أنجليس! تعالي إليّ يا لوس أنجليس كما أتيتُ إليك، قدماي على شوارعك، لقد أحببتكِ حباً جماً أيتها المدينة الجميلة، أيتها الزهرة الحزينة المطمورة في الرمال، أيتها المدينة الجميلة. 

   يوم ويوم آخر واليوم السابق، والمكتبة مع الشباب الكِبار على الأرفُف، العزيز درايزر، العزيز منكن، وكل الشباب هناك، وذهبتُ لأراهم، مرحبا درايزر، مرحبا منكن، مرحبا، مرحبا: هناك حيِّز لي هناك أيضاً، ويبدأ بالحرف باء، على الرف باء، أرتورو بانديني، افسحوا الطريق لأرتورو بانديني، ثمة شقٌ لكتابه، وجلستُ على الطاولة واكتفيتُ بالنظر إلى الحيز الذي سيوضع فيه كتابي، هناك بجوار أرنولد بينيت ؛ ليس هاماً جداً أرنولد بينيت هذا، لكنني سأكون هناك يمكن القول لكي أسند المُقيم في حرف باء، العزيز أرتورو بانديني، أحد الشباب، إلى أنْ تدخل فتاة، نفحة من عطر من باب قسم الأدب، قرقعة حذاء عالي الكعب ليكسر رتابة شُهرتي. يوم مجيد، حلم مجيد! 

   لكنَّ صاحبة المنزل، ذات الشعر الأبيض ظلت تُرسل لي تلك الإشعارات: كانت من "بريدجبورت"، "ولاية كونكتيكت"، مات زوجها وبقيتْ وحدها في العالم وهي لا تثقُ بأحد، لا طاقة لها على تكاليف ذلك، كما أخبرتني، وأخبرتني بأنَّ عليّ أنْ أدفع. كان المبلغ يتراكم كالدَين الوطني، فإما أنْ أدفع أو أرحل، حتى آخر سنت – متأخّر عليّ إيجار خمسة أسابيع، عشرون دولاراً، وإذا لم أفعل فسوف تحجز صندوق أمتعتي ؛ المشكلة هي أنَّه ليس في حوزتي أي صندوق، لا أملك إلا حقيبة أوراق وهي من الورق المقوّى وبلا رباط، لأنَّ الرباط يُحيط بخصري لكي يُمسك ببنطلوني، ولكنه لم يكن الشيء الكثير، لأنه لم يتبقَّ الكثير من البنطلون.

   قلت لها " لقد وصلتني تواً رسالة من وكيل أعمالي، في نيويورك. يقول إنني بعت قصة أخرى ؛ لا يذكُر أين، لكنه يقول إنه باع واحدة. فلا تقلقي يا سيدة هارغريفز، لا تغضبي، سوف أحصل على النقود في غضون يوم أو يومين "

   لكنها لم تُصدّق كذّاباً مثلي. في الحقيقة لم يكن كذباً ؛ كانت أمنية، ليس كذباً وربما ليس حتى أمنية، لعلها كانت حقيقة، والطريقة الوحيدة لمعرفة ذلك هي انتظار وصول ساعي البريد، أنْ أترقّبه عن كثب، وأتفقّد وصول بريده وهو يضعه على طاولة البهو، وأسأله دون مقدمات إنْ كان قد جلب أي شيء باسم بانديني. ولكن بعد مرور ستة أشهر على إقامتي في ذلك الفندق لم أعد في حاجة إلى أنْ أسأل. كان يراني أقترب منه ودائماً يومئ برأسه إما بنعم أو بلا قبل أنْ أسأل: كلا، ثلاثة ملايين مرة ؛ ونعم، مرة واحدة.

   وذات يوم وصلتني رسالة جميلة. أوه، كانت تصلني رسائل كثيرة، ولكن هذه كانت الوحيدة الجميلة، ووصلتني في فترة الصباح، وتقول (كان يتحدث عن قصة الجرو ضحك)  إنه قرأ الجرو ضحك وأحبّها ؛ قال، يا سيد بانديني، إنْ كنتُ قد رأيتُ عبقرياً يوماً، فهو أنت. كان اسمه ليوناردو، وكان ناقداً إيطاليّاً عظيماً، لكنه لم يكن معروفاً كناقد، بل كمجرد رجل عاديّ في ويست فيرجينيا، لكنه كان عظيماً  وكان ناقداً، وميتاً. مات عندما وصلت رسالتي بالبريد الجوي إلى ويست فيرجينيا، فأعادتها أخته إلى مصدرها. وكتبت لي رسالة جميلة أيضاً، وهي أيضاً كانت ناقدة جيدة جداً، تقول فيها إنَّ ليوناردو قد مات بداء السُل لكنه ظل سعيداً حتى النهاية، ومن بين آخر الأشياء التي قام بها أنه جلس على السرير وكتب لي عن الجرو ضحك: إنه حلم مُستمدٌ من الحياة، لكنه شديد الأهمية ؛ ليوناردو، الذي مات الآن، هو قديس في الجنة، لا يقلّ قيمة عن أي من المُريدين الاثنى عشر.

   نزلاء الفندق كلهم قرؤوا " الجرو ضحك "، كلهم: إنها قصة مهمتها أنْ تجعلك تموت وأنت مُمسكٌ بالصفحة، وهي حتى لا تدور حول كلب: قصة بارعة، تصرخ بالشِعر. ورئيس التحرير العظيم، الذي ليس أقلّ من جـ. س هاكمَث الذي وقَّعَ باسمه عليها بخط كالصينيّ قال في رسالة له: قصة عظيمة وأنا فخور بأنني نشرتها. وقرأتها السيدة هارغريفز ومن بعدها أصبحتُ في نظرها رجلاً مختلفاً. يجب أنْ أمدّ فترة مكوثي في ذلك الفندق، لا أخرج إلى الجو البارد، لا أخرج غالباً إلا في الحر، على حساب " الجرو ضحك ". والسيدة غرينجر نزيلة الغرفة 345، وتنتمي إلى العِلم النصراني (ذات وركين رائعين، لكنها عجوز) من باتل كريك، ولاية ميتشيغان، الجالسة في البهو تنتظر الموت، أعادتها قصة " الجرو ضحك " إلى الأرض، وتلك النظرة في عينيها جعلتني أعلم أنني على صواب وقد كنتُ على صواب.، لكنني كنتُ آمل في أنْ تسألني عن وضعي المالي، وكيف أتدبّر أموري، ومن ثم قلتُ في نفسي لِمَ لا تطلب منها أنْ تُقرضك خمسة دولارات، لكنني لم أفعل وابتعدتُ وأنا أُفرقِع بأصابعي اشمئزازاً.  

_______________________________________

الفصل الأول من رواية "اسأل الغبار" لجون فانت. ولد فانت في الثامن من شهر نيسان عام 1909. هاجر إلى لوس أنجليس في أوائل عشرينات عمره. وبما أنه شعر بالغربة كما هي العادة في بلدةٍ بُنيَتْ على أحلامٍ وهمية، كان عمله الأدبي مملوءاً بالجمال الممزَّق والانتقام المُخلِّص. كانت " اسأل الغبار " هي روايته الثانية في حياةٍ امتدَّت أربعة وسبعين عاماً  وتضمَّنتْ العديد من الأعمال الأدبية والسيناريوهات السينمائية. وقد تمَّ تكريمه بمنحه جائزة بنْ على كامل إنجازه الأدبي عام 1987، في لوس أنجليس، بعد وفاته بأربعة أعوام متأثّراً بمضاعفات مرض السُكّري.

 

الصورة من أعمال المصور الفوتوغرافي المصري مراد السيد

*****

خاص بأوكسجين