آنذاك..حين جاؤوا بالنصر | وداد سيفو

العدد 170 | 2 نيسان 2015

 أضع طفلي على قدميّ لينام، وأتلو له حكاية عن بيت جدّه: 

كان يا مكان، كان هناك جدّة عاشت كمنزلٍ مهجور ارتعدت أركانه من علوّ صرخاته، وانهار على نفسه. 

أمي كانت تجيد صنع أثواب الرقص، لطالما رأيتها تحوك فساتين للراقصات، حينها كان ثمن الفستان، كفيلاً بدفع مصاريف مدرستي ومدارس أخوتي. عاشت أمي عمرها تحاول إدخال الخيط في ثقب الإبرة، وتوفيت قبل أن ينتهي الطبيب من صنع نظارتها.  أمضت أعوامها الثلاثين الأخيرة في دمشق، ولم تعرف أن سوق الحميدية مسقوف !

أبي ذاك الذي دخل دمشق بلباس العسكر، حذاء عالٍ وبزة كاكية، دخلها فاتحاً عينيه ويديه، وكأنه حيال جرّة ذهب لا يستطيع حملها لوحده، ولكنه سيحمل ما استطاع منها، غادرها عائداً إلى الريف بعد أن رأى أصحابه يقتلون واحداً تلو الآخر، أصحابه في حمل الجرّة، غادرها بعد أن رأى الدماء غطّت بريق الذهب، وتحول التراب إلى أجسادٍ مندثرة. لم يبق له من أصحاب، جميعهم قتلوا في تلك الحرب، هرب وحيداً ممسكاً من الجرّة بأذنها فقط، بعد أن جنّد إخوتي في تلك الحرب، حتّى الصغير منهم لم يسلم من حمل السلاح، لقد رحل وحيداً مشيّعاً آخر صديق له، على نعش المدينة.

 أما أختي التي مازالت لليوم تعتقد أن من كان في خيام النزوح، هم أناس قبضوا ثمن رحيلهم عن منازلهم، أختي التي أمضت رحلتها في تلك الحرب تعمل في قناة مأجورة تدفع لها ثمن الكذب كل يوم، وقد كان أجر الكذبة الواحدة يعيل عائلة بأكملها في ذاك الزمن، لقد ذاقت طعم النزوح أيضاً بعد أن انتصرت الثورة، هجّرت وأطفالها، وسَمِعت أنهم يذيعون في نشرات  الأخبار أنها قبضت ثمن نزوحها. 

أخي المتدّين المتطوع في الجيش السوريّ آنذاك، كان يقول في بداية الثورة إن القاتل يُقتل ولو بعد حين، لقد حاول ألا يقتل في بادئ الأمر، لكنّ ذلك لم يطل، وحين انتصرت الثورة، سيق مع الجنود الأسرى إلى حتفه. 

أما أخي الأصغر الذي كان يعاني من إعاقة في السمع وخلل في الإدراك، قام أبي بتجنيده في جيش الدفاع الوطني آنذاك، ليتخلّص من مصاريفه، علمت بعد فترة من اندلاع الحرب، أنه أضاع آلة السمع التي كانت في أذنه، ومضى ولم يعرف طريق العودة إلى المنزل، وحتى اليوم لم يسمع عنه شيء .

أما أختي الأخرى فقد كانت لا تخشى القذائف، هي التي تعمل في ثكنة عسكرية تسمّى الإدارة السياسية حينها، بينما زوجها يعمل في القصر الرئاسي سائقاً عند الطاغية، تعرّض هو لأكثر من محاولة اغتيال، ودخلت بيتهما قذيفة تسببت لأختي وزوجها إعاقات دائمة..ليتني أستطيع أن أسألها الآن إن كانت ماتزال لا تخشى القذائف.

والبيت! نعم بيت جد طفلي الذي تحوّل إلى بيت للعناكب والغربان، بعد رحيلنا جميعاً، وغنمه الثوار من بين الغنائم حين جاؤوا بالنصر، واتخذوا منه ثكنة عسكريّة لموقعه الاستراتيجي، إلا أنني علمت بعد حين، أن صورة أمي مازالت معلّقة على الحائط، لربّما علم أولئك الفاتحون، أنه لم يبق من هذه العائلة سوى تلك الصورة، فاحتفظوا بها لتدلّ على نصرهم، بعد حين....!!

_____________________________________

كاتبة من سورية

الصورة من أعمال التشكيلي الإيطالي توني ديميرو

*****

خاص بأوكسجين