العدد 139 - 12/9/2012  
   
o2publishing@gmail.com لمشاكل متعلقة ببريد أوكسجين الإلكتروني رجاء مراسلتنا على         
  نسخة سهلة الطباعة إرسال المادة الحالية بالبريد

ريبيكّا.. حبٌ، وارتياب، وهوَس

ترجمة: أسامة منزلجي




    إنها أشهر بطلات الأدب الإنكليزي قاطبةً – ترقى إلى رتبة جين أير وإليزابيث بينت – ومع ذلك فنحن لا نعرف حتى اسمها الكامل. وعلى الرغم من أنَّ رواية دافنى دو مورييه " ريبيكا " وجدت عند نشرها في عام 1938 إقبالاً جماهيرياً فورياً – وقد تحوَّلتْ إلى فيلمٍ سينمائيّ نال جائزة الأوسكار بعد ذلك بسنتين وأخرجه ألفريد هتشكوك – إلا أنَّ الراوي بقيَ مجهولاً بصورة غريبة. حتى حين تتزوج من بطل الرواية الأرمل الثري ماكسيم دو وينتر، فإنها تتحوَّل ببساطة إلى نسخة ثانية من السيدة وينتر. والاسم الذي نتذكَّره جميعاً – ريبيكّا – هو اسم زوجة دو وينتر الأولى الميتة، التي تسكن الرواية وتكاد تدفع البطلة إلى حافة الجنون من فرط غيرتها وخوفها.

    إذا ما غضضنا البصر عن كونها رواية غوطيّة رومانسية، وتنتمي إلى " أدب النساء " تصبح رواية ريبيكّا الآن أشد الروايات المُثيرة والنفسية غرابةً – وهي تنقر على وتر خوفنا البدائي من الشخصية المُنافِسة : المرأة الأكثر جمالاً، ورسوخاً منا نحن. ومن إرث سيلفيا بلاث إلى السيدة تد هيوز الثانية، إلى ليندا مكارتني وهيذر ميلز، من الصعب بالنسبة إلى الزوجة الثانية أنْ تتغلَّب على ذِكرى الزوجة الأولى .

    لقد صاغت دو مورييه، التي كانت على عِلمٍ بما أتى به فرويد ويونغ، روايةً غريبة، تُصيبُ بالهوس تشدُّ بقبضةٍ روائية قوية. وهي مملوءة بسلسلة من الأحلام السُريالية  وبالمشاعر الجنسية المكبوتة، ولا تُحجم عن رسم الجريمة والانتحار. إنَّ الكاتبة تراها أقرب إلى الدراسة " المُقبضة "، وحتى " المزعجة " للغيرة الخالية من أي " قصة حب رائعة " على حد قول ناشرها.

    ومع ذلك فرواية " ريبيكّا " واسعة الانتشار، وقد صنَّفها برنامج المرأة  كإحدى أشهر خمس روايات رومانسية على مدى العصور. ومنذ عام 1938 لم تتوقف طبعاتها أبداً عن الصدور. وجملتها الافتتاحية (" في الليلة الفائتة حلمتُ أني عدتُ إلى ماندرلي ثانية ") هي الأوسع شهرة في الأدب الحديث. وقد حُوِّلَتْ إلى العديد من الأعمال السينمائية، والمسرحية والتلفزيونية. وفي هذا الشهر سوف تُصدِر مؤسسة السينما البريطانية نسخة جديدة من فيلم هتشكوك الذي قامت ببطولته جون فونتين ولورانس أوليفييه .

    ورواية ريبيكّا تحكي قصة امرأة يتيمة وحيدة تعمل كرفيقة بأجرٍ لنساءٍ أميركيات قبيحات، اسمها السيدة فان هوبر، على الريفييرا الفرنسية. وسرعان ما تقع صريعة حب رجلٍ إنكليزي ثري، ماكسيم دو وينتر، عمره يبلغ ضعف عمرها، توفيت زوجته في ظروفٍ غامضة .

    وبعد علاقة حب عاصفة تتزوج منه، وتُصبح سيدة منزله، وهو ضيعة ماندرلي في كورنوول. إنها قصة سندريلا كلاسيكية لولا ذلك الانعطاف الرائع. فبُعيد عودتهما إلى ماندرلي يُدرك العروسان مدى صعوبة نسيان ذِكرى زوجته الأولى، ريبيكّا، التي تسكنُ روحها أرجاء المنزل، وخاصة مُدبّرة المنزل المُستبدّة ، السيدة دانفرز. وهي إحدى أعظم الشخصيات النسائية الشريرة في الأدب، ويبدو جلياً أنها تعشق سيدتها المتوفاة وتحتفظ بغرفتها كمزار .

    وتأتي بطلة الرواية لتعكس هذا الهاجس. فهي تشمّ عبق عِطر ريبيكّا في كل مكان، وتسمع صوتها. حتى خطّ يدها على الكتب يمسسها. وتحلم برؤيا مُسيطرة عن امرأة ذات بشرة بيضاء طباشيرية تُخيّم عليها غمامة من الشعر الأسـود. " لقد سبقَ لامرأةٍ أخرى أنْ صبّتَ القهوة من إبريق القهوة الفضي هذا نفسه، ووضعَت هذا الكوب على شـفتيها، وانحنت لتداعب الكلب، كما كنتُ أفعل ". وذات يوم تجدها السيدة دانفرز في غرفة نوم ريبيكّا القديمة، وتعرض عليها كل قطعة في دولاب ملابسها، من الفرو إلى الملابس الداخلية. إنه مشهد مُتقن يعكس حباً لتعذيب الذات .

    وتبدأ البطلة بالارتياب بعواطف ماكسيم نحوها. كيف استطاع أنْ يقع في حب امرأة سطحية وفظّة مثلها؟ إنها بلا أدنى شك مجرّد أقرب إلى الحيوان الأليف؟ (إنَّ دو مورييه تنقر بصورة رائعة على وتر كراهية الذات التي هي الجانب الآخر من الاستسلام الرومانسي) وتصل الأحداث إلى ذروتها في حفل يظهر فيه المدعوون بملابسهم الرائعة حين تحتالُ عليها السيدة دانفرز وتدفعها إلى ارتداء الثوب نفسه التي كانت ريبيكّا ترتديه قبل وفاتها.

 

... يتبع

______________

عن صحيفة الإندبندنت البريطانية         

*****

خاص بأوكسجين

 

All rights are reserved to O2 Publishing