العدد 105 - 21/1/2010  
   
  نسخة سهلة الطباعة إرسال المادة الحالية بالبريد

من مذكرات تينسي وليامز

ترجمة: أسامة منزلجي




‏‏‏‏‏‏‏

لكي أبدأ هذا "الشيء" بنبرةٍ اجتماعيّةٍ قويةٍ، دعني أقولُ لكَ إنه ذات فصل خريف قريب، وقبل أن تسقط أوراق الأشجار، تصادَفَ أن كنتُ أقضي عطلتي الأسبوعية في أحد آخر أعظم البيوت الريفية في إنكلترا، في عزبةٍ قريبةٍ جداً من ستونهنج حتى أنَّ حجراً سقطَ على أرض عزبةِ الليدي قبل أن يصلَ إلى ذاك المشهد الما قبل تاريخيّ للتعبُّد الكهنوتي ولم يُرفَع، ربما بسبب انهيارٍ ما أو ثورة نقابة العبيد، بل سُمِحَ له بالبقاء حيث وقع، وهذه المعلومة ليس لها أي صِلة بما سيلي.‏‏‏‏‏‏‏‏

كان وقتُ النومِ قد حان وتساءلتْ سيدةُ القصرِ، بعد أن رمتني بنظرةٍ حادَّةٍ، إنْ كنتُ أودُّ أن أنفردَ مع كتابٍ جيّدٍ بما أنها تعلمُ أني أنامُ نوماً مضطرباً. ونصحتني: "ادخل المكتبةَ وانتقِ شيئاً منها"، مشيرةً إلى غرفةٍ هائلةٍ باردةٍ في الجناح الأيسر للقصر ذي طراز البناء الإغريقي. ولما كانت هي متوجِّهةً إلى الطابق العُلوي، لم أجـد مفرَّاً من أن أرضخَ لاقتراحها. وَلَجتُ المكتبةَ واكتشفتُ أنها تكادُ لا تحتوي إلا مجلداتٍ هائلةِ الحجم ومُلبَّسة بالجلد من النِتاج العتيق تُشبه بالمُقارنة ذلك الحجر الذي لم ينجح في الوصول إلى أرض ستونهنج. وبدوري اكتشفتُ مصادفةً باباً سرِّياً، يمتدُّ من الأرض وحتى السقف، مستوراً بشكلٍ يفتقرُ إلى البراعة بواجهةٍ من الكتبِ الزائفة، ولم تكن تلك هي حركةُ الخِداع الوحيدة التي أُقابلها. وكان هناك كتابٌ حقيقيٌ عنوانه "الدليل العالمي"، أو شيءٌ من هذا القبيل. وبحركةٍ طبيعيّةٍ جداً انتزعتُهُ من عُلبتِهِ وانتقلتُ فيه على الفور إلى الفهرس لأرى إنْ كان صيتي قد وصل إليه. شعرتُ بالامتنان لدى اكتشافي وجود بياناتٍ هائلةٍ حول تلك الشخصية التي لا وجودَ لها وتحملُ اسمي المهني: تضمُّ البيانات عدداً من المغالطات غير المؤذية، لكنَّ إحدى تلك المغالطات كانت مؤسفةً بوضوح في تأثيرها على مزاجي.‏‏‏‏‏‏‏‏

بين قائمةِ مظاهرِ التشريف والتكريم التي تلقَّيتُها وجدتُ إعلاناً مذهلاً يقولُ إنه في سنةٍ معيَّنةٍ من بداية الأربعينات كنتُ قد تلقَّيتُ هِبَةً مقدارها ألفَ دولار، نعم، تلك التي تُعرَفُ بـ "الهِبَة الكبرى" من المؤسسة العالمية للفنون والآداب. وما برز جليّاً في ذهني كان عام الهِبَة المزعومة، وليسَ الواهب. ففي ذلك العام (قبل أن تتبدَّلَ حياتي برُمَّتها مع نجاح مسرحية "الحيوانات الزجاجية" بسنين عديدة) اضطررتُ إلى رهنِ كل ما أملك بكل ما في الكلمة من معنى، حتى آلةٍ كاتبةٍ صغيرة كنتُ قد استعرتُها، وكل شيء آخر عتيق وجديد وخفَّ حملُه، بما فيه ملابسي كلها ما عدا قميص فانيلا قذر، وبنطال لركوب الخيل وزوج من الأحذية، كانت البقية الباقية من آثارِ دورةٍ في دراسة ركوب الخيل وقد فضَّلتُها على فيلق تدريب ضباط الاحتياط المنتظَمة في جامعة ميزوري. في ذلك العام رحتُ أتنقَّلُ من مسكنٍ إلى مسكن لعجزي عن دفع الإيجار، وكان إيجاراً ضئيلاً، وفي ذلك العام اضطررتُ إلى الخروج إلى الشارع لأستجدي سيجارة، السيجارة الجوهرية جداً التي يجب على كل كاتب حيّ ومُدخِّن أن يبدأ بها العمل في الصباح. بل حتى أنه كان العامَ الذي تعوَّدتُ فيه أن أتناولَ ما يُسمّيه الفرنسيون "فراشات الحب" لأنني لم أكن أملُكُ ثمن زجاجة كيريكس، وهو أفضل مبيد حشري كان يُقدَّمُ في الحانات في تلك الأيام، وحين أُحرِجتُ ذات مرةٍ بصرخةٍ سمعتُها عند زاويةِ شـارعٍ مزدحمٍ في وَضَح النهـار "أنتَ يا ابن الحرام، أنت عديتني بالمرض ليلة أمس!" – وهي صرخةٌ فَصَمَتْ علاقتي الاجتماعية بالحيّ الفرنسي في نيو أورلينز ودَفَعَتني إلى حزم أمتعتي – يعني، كلمة حزم ليست الكلمة الدقيقة، بما أنه لم يكن لديّ أمتعة – وتوجَّهتُ مباشرةً إلى فلوريدا. ولما كنتُ أبدو على الطرقات العامة كالشبح مما دفعَ راكبيّ السيارات إلى زيادة سرعتهم حتى آخرها لدى رؤيتي في ضوء النهار، كان لابد لي من أن أحاول أن أحصل على الانتقال ليلاً في أغلب الأحيان. ولديَّ يوميات تُثبِت صحة هذه الذكريات بالذات عن ذلك العام حين كان من المفروض أن أكون المتلقِّي المرِح الصاخب لتلك "الهِبَة الكبرى" من المؤسسة التي أنا الآن عضو مجاز فيها.‏‏‏‏‏‏‏‏

خلال سنواتي المُبكِّرة حين كنتُ شاباً هزيلاً ومُتيَّماً بمسرحٍ يتجاهله تماماً، تعرَّفتُ وربطتني علاقة حميمة بعددٍ كبير من الكُتَّاب الشبان والفنانين وكنا جميعاً نستخفُّ بمخاطر المهنة الصغيرة التي كنا على الدوام ننطلقُ مُبحرين بقواربنا الصغيرة في وجهها، كلٌ مع طاقمه المؤلَّف من شخصٍ واحد، وهو نفسه طاقم القارب وقبطانه. كنا نتابع إبحارنا بقواربنا الصغيرة المُستقلَّة لكننا كنا على مرأى أحدنا من الآخر وأحياناً نكادُ نتلامسُ، أقصدُ كأنْ نتداولُ في خليجٍ صغيرٍ على شاطئٍ صخريٍ، أنهكته العواصف، مما كان يمنحنا إحساساً دافئاً بالتئام الشمل، لا يختلفُ كثيراً عما شعرَ به في السنين الأخيرة الفتْيةُ الذين يُسمَّون بـ" ذوو الشعور الطويلة" والذين رماهم الجو الاجتماعي العاصف إلى ما يُسمَّى كوميونات.‏‏‏‏‏‏‏‏

إنَّ التشارك في المشاكل كالمشاركة في الحب وذاك النوع من الحب كثيراً ما كانَ الخبز الذي اقتسمناه فيما بيننا. لقد بقي بعضنا حياً والبعض الآخر مات، وأحياناً كان الأمر هو قضية حظ وأحياناً أخرى مسألةَ التحلِّي أو عدم التحلِّي بالقُدرة على الاحتمال وإرادة التحمُّل. أقصد أنْ أقول إنه لا أحد منا كان منبوذاً طواعيةً، بل كنا منبوذين بالمصادفة، ولم يكن لدى أي منا نَفَسَاً يهدُرُهُ على شـكوى لا جدوى من ورائها من أنه لا أحد يُطعِمنا بملاعق من ذهب.‏‏‏‏‏‏‏‏

أنا متأكِّد من أنه حين كان يتوفَّرُ لنا الوقت للتفكير في هذا الأمر، كنا نرتابُ في إمكانيةِ مجتمعٍ مثقَّفوه غزيرو الإنتاج، أقصد مجتمع يعدُّ ملايينه من الدولارات كما نعدُّ نحنُ نكلاتنا، أن يُبدي أو كان عليه أن يُبدي أكثر قليلاً من الاهتمام بمستقبل فنانيه الشبان الذين يمكن، إذا أُفسِحَ لهم المجال لينضجوا، أن يتوقَّع منهم أن يتركوا بعض الأثر على ثقافةِ (كثيرة التقلُّب) أُمةٍ كانت آنئذٍ، كما هي الآن، أُمَّةً تحكمها تلك المجموعة الصغيرة العدد التي تمركزتْ فوق قمة عمود الطوطم وتخافُ إذا نظرتْ إلى أسفل أن تُصاب بالدوار.‏‏‏‏‏‏‏‏

والآن لكي أكونَ مُنصِفاً أقولَ إنه كانت هناك في الأربعينات مصادر ماليّة ضخمة جداً توزُّع نُتفاً من صَدَقةٍ تُثارُ حولها دعايةٌ واسعةٌ على المواهب الشابة. فكانت منحة جماعة غوغنهايم، التي كان أحياناً ينالها وبعد جهدٍ جهيد فنانٌ رائع وهشّ مثل هارت كرين . ربما لم يكن من الممكن قط أن تأتي باكراً لتنقذ هارت من تدميره لذاته، بل كانت تأتي، هذا إنْ أتت، متأخِّرةً جداً. وفي الثلاثينات كانت هناك مشاريع مكاتب العمل، وآه، يا الله، كم حاولتُ أن أُشترك فيها في شيكاغو ونيو أورلينز وكمْ قُمِعتُ! وبعد ذلك بوقتٍ قصير، ظهرتْ هِباتُ روكفلر ذات الألف دولار القابلة للزيادة في المستقبل ولكن غير المُحتَمَلة، بمقدار نصف المبلغ الأصلي. ذلك المبلغ وزيادته التي تبلغ نصفه لم تصادفني، في آخر الأمر.‏‏‏‏‏‏‏‏

إنَّ ذوي الثراء الفاحش لديهم إيمانٌ مؤثِّر في فعالية المبالغ الصغيرة.‏‏‏‏‏‏‏‏

كان يجب أن أكتب هذه الملاحظة بين قوسين بدل الحروف البارزة ما دامت ليست تنويهاً صادراً عني بل هي من أشدّ تعليقات بول بيغلو (الأسطوري) بلاغةً حول الهِبات الورعة، المُعفاة من الضرائب حتماً، التي تمنحها طبقتنا الثرية البابليّة.‏‏‏‏‏‏‏‏

إنها المرة الأولى التي أتحدَّثُ فيها، متأملاً، وبعد مرور فترةٍ زمنيّةٍ شاسعة، عن أولئك المُحسنين الشهيرين للشباب والموهوبين بنبرةٍ تقتربُ من الورع، ولكن يمكنك أن تعزو هذا إلى الإحساس بمرارةِ التقدُّم في السن. وحين كنتُ أحد الشبان الموهوبين، وأعيشُ بين مجموعةٍ من ذلك النوع، لم يكن يشيعُ بيننا رثاء الذات، على الأقلّ ليس بالقدر الذي يُميّزنا عن بقية البشر. وطبعاً جميعنا يعلم أنَّ رثاء الذات هو أحد المشاعر المتجذِّرة في البشر، هو شعورٌ باحترام الذات مُغالى فيه حتى وصلَ إلى درجة التكبُّر، وقد لاحظتُ وشعرتُ ولا أزال أشعرُ وألاحظُ الكثيرَ من احترام الذات الذي يصل إلى حد المغالاة في التكبُّر أكثر مما شعرت أو لاحظت رثاء الذات، الذي ما هو في آخر الأمر إلا تنويع بسيط على نغمة احتقار الذات، شعورٌ من الأفضل تركه لما هو بطبيعته مثير لمشاعر الاحتقار.‏‏‏‏‏‏‏‏

* * *‏‏‏‏‏‏‏‏

في عام 1939 وجدتني مُستخدَماً لأنتف الريش في مزرعةٍ لتربية أفراخ الحمام في إحدى تلك المجتمعات الصغيرة القائمة على أطراف لوس أنجلوس، سمعتُ أحدهم يصفُها بأنها عدد كبير من القرى تبحث عن مدينة. عملُ نتف ريش صغار الحمام ذاك لم يكن مربحاً كثيراً، ولكن كانت له تعويضاته غير المادية. فقد كانت مجموعةٌ من الشبان تجتمع عدة مرات في الأسبوع في "سقيفة القتل"، وهناك تُذبَحُ أفراخ الحمام وتُنتزَع أعناقها ثم تُعلَّقُ من سيقانها المرتعشة بجنون فوق دلوٍ يتلقَّى نزيفها حتى آخر رمق. ومقابل كل فرخ حمام ينتفه كلٌ منا ويعدُّه لإرساله إلى أسواق لوس أنجلوس كنا نُسقِطُ ريشةً في زجاجة حليبٍ فارغة تحمل اسم كل واحد منا ثم نتلقَّى أجرنا وفق عدد الريش المتجمِّع في الزجاجات عند نهاية عمل يومٍ كامل. كنتُ أجده عملاً بغيضاً: أما التعويض الذي كنا نحصل عليه إلى جانب الأجر الضئيل، فهو الثرثرة الرائعة التي كانت تدور بيننا نحـن جامعيّ الريش في تلك السـقيفة، وأذكر، ولن أنسى ما حييتُ، مقولةً فلسفيّةً عفويةً تفوَّه بها أحد الصِبية الأكثر ثقافة.‏‏‏‏‏‏‏‏

قال "أتدرون أنكم إذا ما عُلَّقتُم هكذا فترة طويلة في زاويةٍ من هذا الشاطئ فإنَّ نورساً سيظهرُ عاجلاً أم آجلاً ويطير فوقكم ويتبرَّزُ عليكم جرَّةً ملآى بالذهب" (لقد استعنتُ بهذه المقولة مرتين، مرةً في مسرحية ومرة أخرى في نصِ أحد الأفلام، لكنني لم أسمعها تُقالُ على خشبة المسرح ولا على الشاشة. ما علينا).‏‏‏‏‏‏‏‏

بينما كنتُ أمارسُ ذلك العمل، هبطَ عليَّ حظٌ عظيم. فقد تلقَّيتُ برقيةً من جمعية المسرح في نيويورك تُنبئني فيها أني فزتُ بـ "جائزةً خاصة" قيمتها مائة دولار عن مجموعةٍ من المسرحيات ذات الفصل الواحد عنوانها "أحزانٌ أميركية". هذه الرقيَّة كانت بتوقيع هارولد كلورمن، وإروين شو، والمرحومة مولي داي ثاتشر كازان.‏‏‏‏‏‏‏‏

أغلب الناس ما عادوا يذكرون أنَّ مبلغَ مائة دولار في أواخر الثلاثينات كان مقداراً كبيراً جداً من المال، في حين أنه الآن، كما تعلم، لا يكاد يكفي لإحضار فتاة تقضي معها ليلة. ولكنه في ذلك الوقت لم يكن فقط مبلغاً كبيراً وإنما عاملاً مُشجِّعاً ورافعاً للمعنويات، وقد كان التشجيعُ، في "حرفتي وفني الكئيبَين"، يُعتَبَرُ بالنسبة إليّ، حتى في تلك الأيام، أهمَّ بكثير من أي شيءٍ يمكنُ صرفُهُ على شكل نقود.‏‏‏‏‏‏‏‏

الحقيقة هي أني حين أستعيدُ ذكرى التهاني المخلِصة والخالية تماماً من الحسَد التي تلقَّيتُها من زملائي وأيضاً من رفاقي العمّال في مزرعة الحمام، أعجزُ عن أن أكون كارهاً للبشر. فكلُّهم كان يعرفُ أني كاتبٌ، وبالتالي أني مخبول، وهنا، حلَّقَ فجأةً طائرُ نورس فوقَ رُكني وتوَّجني بذاك المَنّ السماوي، حتى أني لم أنتظر طويلاً في ذلك الركن.‏‏‏‏‏‏‏‏

لا شك في أنه كان في إمكاني أن أشتري على الفور بطاقةَ ركوب الحافلة وأتوجَّه إلى مانهاتن وأحصلَ على ما يكفيني من الطعام مدة أسبوع أو أسبوعَين في "جمعية الشبان المسيحيين"، لكني عوضاً عن ذلك اشتريتُ بأقلّ من عشرة دولارات دراجةً مستعمَلَة كانت في حالةٍ جيدة، وابتاعَ قريبٌ لي خالي البال يعملُ في مزارع الحمام دراجةً بدوره وانطلقنا، من باب الاحتفال بالمناسبة، جنوباً على طريق عامةٍ تدعى كامينو ريل وقطعنا الطريق من مقاطعة لوس انجلوس – من هوثورن، على وجه الدقة – حتى الحدود المكسيكية وعبرناها على متن الدراجة. ذهبنا إلى تيجوانا وإلى أغواكاليينته وكلاهما كان مكاناً بدائياً في ذلك الوقت. كانت الأماكنُ بدائيةً وكنا سُذَّجاً وفي حانةٍ في بلدةٍ حدوديةٍ قابلنا – فلنقُل اكتشفنا أنَّ تلك الإلهة الجميلة الصغيرة كانت طبيعتها، أحياناً، مفترسة، وفي طريق عودتنا على طريق كامينو الحقيقية جداً متَّجهين شمالاً كان إعجابنا بالحانات المكسيكية وزبائنها قد قلَّ كثيراً. والحقيقة هي أنه لم يتبقَّ معنا تكاليف الإيواء الليلي على الطريق، ولكن كانت هناك حقول مُريحةٌ يمكنُ النومُ فيها تحت النجوم الكبيرة.‏‏‏‏‏‏‏‏

ثم تصادفَ أن مررنا في وادٍ صغير بالقرب من لاغونابيتش – وكانت بلدةً جميلةً في تلك الأيام – مررنا بمزرعةٍ لتربية الدجاج عُلِّقَ على مدخلها يافطة تقول "نحتاجُ إلى مساعدة". وبما أننا نحن أيضاً كنا بحاجةٍ إلى مساعدة، انحدرنا إلى الدرب القذرة وتقدَّمنا إلى أصحاب المزرعة، كانا زوجاً عجوزين يريدان استخدام حرّاس للدجاج مدة شهرين أثناء قضائهما إجازة في مكانٍ ما. (ولا أدري ما الذي كان يجذبني إلى الأعمال المتعلِّقة بالدواجن في تلك الأيام؛ لم ينجح أي تحليلٍ في تقديم أي تفسير لي).‏‏‏‏‏‏‏‏

لم يكن الزوجان العجوزان المحترمان صاحبا مزرعة الدواجن قد أصابا ثراءً من وراء المزرعة، بل إنَّ الحقيقة هي أنهما بالكاد كانا يتمكَّنان من إطعام الدجاج، وقال، بنبرةِ اعتذارٍ مؤثِّرة، إنَّ كلَّ ما في وسعهما أن يقدماه إلينا من باب التعويض هو أن نشغلَ الكوخَ الصغير الكائن في مؤخر حظيرة الدجاج. فـأكَّدنا لهما أنَّ وَلَعَنا بالدجاج يكفي لجعل عملنا ممتعاً، وانطلقا لقضاء إجازتهما وانتقلنا إلى الكوخ وأقمنا علاقات ودّية مع الدجاج منذ أن نثرنا له وجبته الأولى.‏‏‏‏‏‏‏‏

لا أدري ما آلَ إليه شاطئ لاغوانا الآن ولكن في الثلاثينات كان مكاناً لطيفاً يحلو فيه قضاء أيام فصل الصيف. فثمة مباريات في الكرة الطائرة، وتزلُّجٌ على الأمـواج ومتزلجون، وتجمُّع الفنانين وأشياءَ أخرى كثيرة وكانت كلها تُشيعُ البهجة. ويبدو لي أنَّ أفضلها كان ركوب دراجتينا وارتقاء منحدر الوادي الضيِّق عند أول بوادر الظلام في تلك الأيام حين كانت السماءُ ما تزالُ أشبه بقصيدة. وكانت الكلابُ في كل مزرعةٍ على طول الطريق تنبحُ علينا، ليس مهدِّدة، وإنما فقط لتُعْلِمَنا أنها تؤدي عملها.‏‏‏‏‏‏‏‏

أعتقدُ أنَّ فصلَ الصيف كان أسعد أوقات حياتي وأكثرها صحةً وتوهُّجاً، وأنا أحتفظُ بيوميات عن تلك الفترة، وفيها أشرتُ إلى ذلك الفصل بوصفِهِ "نافه نافه ماهانا" وهو عنوان لوحتي المفضَّلة (التاهيتية) لغوغان، والذي يعني "الأيام الرخيّة".‏‏‏‏‏‏‏‏

هكذا مرَّ الوقتُ حتى حلولِ شهر آب، الشهرُ الذي تجنُّ فيه السماءُ في الليل، فتعُجُّ بالشُهُب التي لها بدون شك تأثيرها على قَدَرِ البشر، وحتى بعد أن تُشرق الشمس.‏‏‏‏‏‏‏‏

باختصار: حلَّت الكارثة. انقضَّتْ أولاً على الدجاج ومن ثم ارتدَّتْ لتضربنا. فقد خرجنا ذات صباح صافٍ كالبلور من كوخنا لنكتشف أنَّ ما يُقاربُ ثلث ذلك السرب ذي الريش مستلقٍ على ظهره وجنبه وقد امتدَّت قوائمه في وضع (التيبُّس الدالّ على الموت)، وأنَّ الناجين من ذاك الوباء المباغِت ليسوا بأفضل حالاً. كانوا يتجولون دائخين داخل حظيرتهم كأنما صدمهم الحزنُ على رفاقهم الموتى، وبين الحين والآخر يُطلِقُ أحدها صرخةً عاليةً ثم ينطرحُ أرضاً ولا يُبدي أي حِراك. ولم نعرف أبداً ماذا كان ذلك المرض. إلا أنَّ هذا كان نهاية الـ "نافه نافه ماهانا".‏‏‏‏‏‏‏‏

كان صديقي قد نجحَ بشكلٍ ما في الحصول بطريقةٍ قانونيةٍ على سيارةِ فورد عتيقة بالية، وفي وقتٍ متأخِّرٍ من يوم الكارثة فارقني وبتُّ وحيداً مع الدجاج الذي ضرَبَه الوباء، وكدتُ أحسده على مصيره. وأعتقد أنَّ تلك كانت أطول مدة أقضيها وأنا جائع. أمضيتُ نحو عشرة أيام بدون طعام اللهمَّ ما عدا بعض البقايا من البقول الجافة وبعض ثمار الأفوكاتو التي كنتُ أسرقها بين حين وآخر من أحد الكروم في الوادي. وقد بقيتُ على قيد الحياة بهذه المقادير السـقيمة، بما أنَّ الدجاجَ الناجي ببطولة وإنْ كان موبوءاً لم يعد صالحاً للمقلاة أو لقدْر الطبخ. وأنا نفسي أُصِبتُ بعطالةٍ غريبةٍ جعلتني غير راغبٍ في مغادرةِ المزرعة، وعلى كل حال لم يكن قد تبقَّى معي قرش واحد، ولا حتى ما يكفي لإرسال رسالة التماس فيما لو كنتُ مستعداً نفسياً للتعرُّض لمثل ذلك الإحراج.‏‏‏‏‏‏‏‏

إلا أني أدركتُ أنَّ المرءَ بعد أن يُمضي قرابة الثلاثة أيام في شبه جوعٍ تام يكفُّ عن الإحساس بالجوع. فالمعدة تتقلَّصُ، والتشنُّجات المِعَديّة تهمدُ، ويهبطُ عليكَ الله أو كائنٌ ما خِفيّةً ويَزرِقُكَ بما يُسكِّنُ الألم، فتجدُ نفسك تغوصُ بشكلٍ غريبٍ، وبطريقةٍ مبهمةٍ تماماً، في حالةٍ من السكينة، وهذه الحالة مثاليّةٌ لممارسة التأمُّل في الأحداث الماضية أو الحاصلة أو القادمة، على التوالي.‏‏‏‏‏‏‏‏

بعد مُضيّ أسبوعَين على تلك الحالة، الرتيبةُ في مجملها، سمعتُ حزامَ صديقي المحلول يقرقعُ من الإرهاق متَّجهاً نحو الكوخ ودخلَ وعلى وجهه ابتسامةٌ اعتياديةٌ عريضةٌ وكأنه غادرني قبل عشر دقائق.‏‏‏‏‏‏‏‏

أثناء غيابه كان يعزفُ على آلة الكلاينيت في ملهى ليليّ بالقرب من لوس أنجلوس، وقد تلقَّى أجرَ أسبوع. وكان ذلك المبلغ كافياً لإيصالنا إلى جبال سان برناردينو لقضاء فترةِ نقاهة من محنتنا الشخصية.‏‏‏‏‏‏‏‏

كنتُ في ذلك الصيف قد تلقَّيتُ رسائلَ من وكلاء متعددين في برودواي كانوا قد قرأوا اسمي في أعمدة المسرح باعتباري الفائز "بالجائزة الخاصة" لجماعة المسرح. قالت وكيلةٌ منهم إنها ليست مهتمَّةً بالمسرحيات الجادَّة إلا أنها تبحثُ عن "وسيلة نقل" جيدة. فكتبتُ أقول لها إنَّ وسيلة النقل الوحيدة التي في وسعي أن أزوِّدها بها هي دراجةٌ مستعملة. ولكنَّ سيدةً أخرى، هي أودري وود، أبدت اهتماماً أكثر جدِّيةً، وبناءً على نصيحةٍ من مولي داى ثاتشر كازان اخترتُ الآنسة وود لتمثِّلني، وقد تبنَّتني هذه المرأة الضئيلة الأنيقة التي كان زوجها يدعوها بـ "عملاق المسرح الأميركي الصغير" – وكان كِلاهما ذا بنيةٍ جسمانيةٍ ضئيلة – قَبِلَتني، بدون أن تراني، موكِّلاً لها وظلَّتْ تُمثِّلني فترة طويلة، طويلة.‏‏‏‏‏‏‏‏

في أواخر خريف عام 1939، وأثناء فترة اعتكافٍ في عِلِّيةِ منزلِ العائلة في ضواحي سينت لويس، تلقَّيتُ برقيةً من الآنسة لويز. م سيلكوكس، التي كانت في ذلك الوقت تشغلُ منصبَ السكرتير المُنفِّذ لنقابة الكُتَّاب المسرحيين، ومكالمةً هاتفيةً من أودري وود تُنبِئاني بأني حظيتُ بمنحةٍ مقدارها ألف دولار، وحثَّتني السيدتان على اللحاقِ بأوَّلِ حافلةٍ متوجِّهةٍ إلى مدينة نيويورك، مركز النشاط في تلك الأيام، ولعلها لا تزال كذلك.‏‏‏‏‏‏‏‏

حين وصلَ النبأ كانت والدتي، السيدة إدوينا (كورنيليوس . سي) ويليامز التي لا تُقهَر، أول مَنْ تلقَّاه. وانهارت فوراً. وأعتقدُ أنها كانت المرةَ الأولى التي أراها فيها تبكي وكان مشهداً مُذهِلاً جداً وما زال يؤثِّرُ فيَّ بعمق، ذلك المشـهد وصرختها "أوه، توم، كم أنا سعيدة!"‏‏‏‏‏‏‏‏

طبعاً كانت سعادتي تُعادلُ سعادتها ولكن لسببٍ ما لم يؤثِّر بي حُسنُ الحظ أبداً إلى حدّ البكاء، ولا سوء الحظ، في هذا المجال. إنني أبكي فقط أثناء مشاهدة الأفلام العاطفية وهي أفلامٌ رديئةٌ في المعتاد.‏‏‏‏‏‏‏‏

سينت لويس ليست جزءاً كبيراً من العالم وقد احتلَّتْ فكرةُ استثمار مجموعةِ روكفلر ألف دولارٍ في موهبتي ككاتب، والتي كانت تفتقر إلى الكثير في مجال البرهان الفعلي في ذلك الحين وربما حتى بعد ذلك ببعض الوقت، احتلَّتْ قدْراً كبيراً من الاهتمام المحلِّي. وقد وجَّهتْ ثلاثٌ من صُحُف سينت لويس الدعوة إليَّ للمجيء إلى مكاتبهما لإجراء مقابلاتٍ صحفية حول موضوع هذه المنحة.‏‏‏‏‏‏‏‏

الحقيقة هي أننا لم نكن دائماً معروفين كثيراً بتلك الصورة المُحبَّبة في مدينة سينت لويس الباردة، بل إننا، أختي روز وأنا، كنا معزولين تماماً هناك أثناء فترة طفولتنا ومراهقتنا. بالإضافةِ إلى أنه على الرغم من أنَّ والدي كان في وقتٍ مبكِّرٍ قد اكتسبَ نوعاً من السمعة السرّية كونه عضواً ذا شأن في شركةِ الأحذية العالمية، فقد تعرَّضَ لمغامرةٍ مؤسفةٍ جداً أثناء لعبة بوكر استمرَّتْ طوال الليل في فندق جيفرسن قبيل انتباه مجموعة روكفلر إليَّ، ولم يُعلَن عن تلك المغامرة على الملأ إلا أنه دارتْ أقاويلُ كثيرةٌ عنها. فقد سبَّ أحدُ لاعبي البوكر أبي ووصفه بـ "ابن العاهرة"، ولما كان والدي ينحدر من سلالةٍ شرعيةٍ وشهيرة من شرق تنيسي، فقد ضربَ ك . ك ابن الحرام وطرَحَه أرضاً ثم عادَ ابن الحرام فنهضَ بسرعةٍ متحاملاً على نفسه وعضَّ أُذُن والدي وقطعها، أو على الأقلّ قطعَ معظم جزئها الخارجي، فأُرسِلَ والدي إلى المستشفى لإجراء عمليةٍ تقويمية. واقتُطِعَ غضروفٌ من ضلوعه وقطعةُ جلدٍ من مؤخرته إلا أنَّ الجزءَ المقطوعَ من أُذُنِهِ لم يُستَعَدْ تماماً وإنما رُقِّعَ بشكلٍ تقريبيّ يفتقرُ إلى البراعة. وقد سبَّبَتْ الثرثرةُ التي دارت حولَ هذا الحادث شيئاً من السُمعةِ السيئةِ للعائلة في سينت لويس وفي المقاطعة، وانزاحَتْ عني عندما حظيتُ بهذه المنحة من مجموعة روكفلر، وأعتقدُ أنه لا ضيرَ في القولِ إنه منذ ذلك الحين أصبحَ هناك اهتمامٌ عامٌ وخاصٌ بتقلُّبات مقاديرنا …‏‏‏‏‏‏‏‏

*****‏‏‏‏‏‏‏‏

مترجم من سوريا‏‏‏‏‏‏‏‏

من كتاب سيصدر قريباً عن دار المدى في دمشق‏‏‏‏

OM111@nycny.net‏‏‏‏‏‏‏

_________________________‏‏‏‏‏‏‏

خاص بأوكسجين‏‏‏‏‏‏‏‏

All rights are reserved to O2 Publishing